#adsense

«حزب الله والمشرق الجديد»

حجم الخط

 

لطالما رددت 14 آذار أنّ الخلاف مع «حزب الله» يتجاوز سلاحه إلى مشروعه السياسي، وهذا ما أكده الزميل ابراهيم الأمين في مقالة له تحت عنوان «حزب الله والمشرق الجديد» الذي من أولى مهماته «إعادة الاعتبار للفكرة القومية التي تتطلب القضاء على كل فكرة ضيقة سواء كان اسمها «القرار الوطني المستقل» أو «بلدي أولاً».

دخول الحزب في المعركة السورية لم يأتِ، بحسب الأمين، كرد “لخدمة مقابل الخدمات التي وفرها له النظام السوري على مدى ربع قرن”، إنما حصل “ضمن وعيه إلى دوره الجديد المتمثل بقيادة تيار مشرقي من فلسطين والأردن، الى لبنان وسوريا، وصولاً الى العراق، وإلى الجوار في تركيا والخليج العربي، يتسع لنحو 75 مليون عربي ويهدف إلى إعادة الاعتبار للحق الفردي والعام، لكل عربيّ، بأن يقاوم الاحتلال الأميركي أو الإسرائيلي أو عملاءهما”، متكئاً على تجربته التي تشكل “عنصر قوة لمن يقف معه، بدليل ما اختبره الفلسطينيون في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وما عرفته المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأميركي، وما يتعرّف إليه الجيش السوري في مواجهة المجموعات المسلّحة”.

وإذا كان ما تقدم لا يشكل مفاجأة للوسط السياسي المعترض أساساً على دور “حزب الله” المحلي والإقليمي، إلّا أنه يكشف عن الوجه الحقيقي للحزب بإرادة واضحة منه وعن سابق تصوّر وتصميم، فيما لم يكن مضطراً الإقرار بأهدافه التي تثبت صوابية الاختلاف البنيوي معه. وما تجدر ملاحظته أن هذا الإقرار جاء في السياق التبريري لقتاله في سوريا، في حين كان بإمكانه مواصلة السياسة التي اتبعها منذ اندلاع الثورة والقائمة على نفي تورطه أو الاكتفاء بنظرية الدفاع عن القرى الشيعية، بدلاً من الإعلان الواضح عن مساندته للنظام السوري. ولكن، حيال ما تقدم ربطاً بالنظرية الجديدة المتصلة بـ”حزب الله المشرقي” لا بدّ من التوقف أمام الآتي:

أولاً، على مستوى “بلدي أولاً”: كلّ فلسفة الكيان اللبناني قامت على مبدأ تحييد لبنان عن الشرق والغرب، واستطراداً عن الخارج، ولم يهتز هذا الكيان إلّا حين تمّت تبدية المصالح القومية والخارجية على المصلحة اللبنانية، فضلاً عن أنّ لبنان لن يستعيد صحته وعافيته إلّا عندما يتحول إلى أولوية مطلقة على أجندة أبنائه ومكوّناته. فلبنان بلد تعدّدي، والتعدّد يفترض التلاقي حول مساحة مشتركة، وهذه المساحة عنوانها الدولة.

ومن هذا المنطلق، يشكل إعلان الحزب عن نيته القضاء على المؤمنين بمشروع “بلدي أولاً” تناقضاً جوهرياً مع الميثاق الوطني والدستور اللبناني واتفاق الطائف وإعلان بعبدا وقوى 14 آذار، وكلّ اللبنانيين الذين ينشدون السلام ويعتبرون أولويتهم وطنهم ويرفضون إبقاء بلدهم ساحة للخارج بإرادة بعض الداخل.

ويشكل هذا الإعلان تناقضاً أيضاً مع الشعوب العربية التي ثبّتت الثورات مفهومها للوطنية، وكشفت بطلان الإدعاءات الفارغة بأن أولويتها الصراع مع أميركا وإسرائيل، في حين أولويتها فقط حريتها وكرامتها داخل جغرافيّتها، فضلاً عن تناقضها مع مقررات الجامعة العربية التي أعادت تفسير المعطى القومي باعتباره رابطة ثقافية تشكل اللغة العربية عموده الفقري.

ثانياً، على المستوى القومي: الصراع اللبناني وتحديداً المسيحي مع الفكر القومي العربي أو السوري، سببه تذويب لبنان والقضاء على الخصوصية اللبنانية وطغيان البعد الديني على القومي، والذي من أفضل تعبيراته اعتناق مؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي المسيحي ميشال عفلق الإسلام، انسجاماً مع مقولته “العروبة جسد روحه الإسلام”.

ولعلّ أكثر ما يدعو للإستغراب في خطوة الحزب القاضية بإعادة الاعتبار للفكرة القومية، أنّ هذه الدعوة تأتي من حزب ديني ذات توجه إسلامي ويتبنّى حصراً مشروع ولاية الفقيه، وهذا بحدّ ذاته يشكل استهزاءً بعقول اللبنانيين والعرب، خصوصاً بعد مشاركته في الحرب السورية وتوصيفه من قبل مجلس التعاون الخليجي والمسلمين السنّة عموماً بأنه أداة إيرانية.

فالصورة التي حاول “حزب الله” تعميمها بأنه رافعة مشروع مواجهة إسرائيل لدى العرب والمسلمين، بدأت بالانحسار مع الخروج السوري من لبنان وأحداث 7 أيار، وصولاً إلى سقوطها بالكامل مع الأزمة السورية.

ثالثاً، على مستوى دور “حزب الله”: إن أخطر ما في الدور الذي حدّده الحزب لنفسه استخدام السلاح في المدى الجغرافي القائم على أساس “المشرق الجديد”، في سبيل تحويل دول هذا المشرق إلى دول مقاومة تعمل على تحقيق أهدافه في مواجهة الاحتلالين الأميركي والإسرائيلي وعملائهما، متكئاً على تجاربه في مؤازرة “حماس” في فلسطين، والشيعة في العراق، والعلويين في سوريا، من دون الإتيان في المقال على دور الحزب في البوسنة والهرسك الذي كشف عنه السيد حسن نصرالله في إطلالته الأخيرة.

وعدا عن أن المشروع المعلَن للحزب يتعارض أولاً مع الدستور اللبناني لتبنّيه أهدافاً أكبر من لبنان وتوسله العنف لتحقيقها، فهو يتعارض ثانياً مع الشرعيتين العربية والدولية لانتهاكه سيادة الدول وتحريضه شعوبها على أنظمتها السياسية، وتدخله في شؤونها وشجونها.

رابعاً، يشكل كلام “حزب الله” عن “إعادة الاعتبار للفكرة القومية” محاولةً للخروج من المستنقع المذهبي الذي أدخل نفسه فيه في شوارع بيروت وسوريا، هذا المستنقع الذي شعر بمدى خطورته على وجوده ومستقبله، الأمر الذي دفعه للقفز فوقه بالكلام عن البعد القومي الذي لا يشبه الحزب من قريب أو من بعيد، لأنّ بعده وعمقه دينيّان بامتياز.

إن دل ما تقدم على شيء، فعلى أن “حزب الله” يشكل خطراً ليس فقط على لبنان بصيغته وميثاقه ونهائيته ودستوره ودوره، إنما يشكل خطراً أيضاً على سيادة “الدول المشرقية”، الأمر الذي يتطلّب تحركاً لبنانياً وعربياً ودولياً لمواجهة هذا المشروع.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل