لقد تكثّفت لحظات التمجيد وتوسّع التوكيد على الصورة الزاهية التي رُسِمت للحكم السوري بعد واقعة القُصير، وكأنّها حدث إستثنائيّ يلخّص مشروعاً زاهياً ينقل سوريا وأهلها الى نهضة مأمولة. وقد رُكِّب لهذا الحدث إطار يكبّر أهميّة مواقف رأس النّظام في خريطة الصّراع المحموم على المستويين المحلّي والخارجيّ، ولا سيّما العربيّ منه. وقد عُمِل على جعل الواقعة مفصلاً تاريخياً يهدف الى الإطباق بالكامل على صورة واقع الحال الذي كان سائداً قبل الحراك الثوري، فكأنّه لم يكن، وهنا تكمن الخطورة.
إنّ العبقريّة الإجراميّة لمديري السلطة في سوريا قد استغلّت، وبذكاء خبيث، ما جرى في القصير، لا للتّرويج فقط لإنتصار عسكريّ، هي تعلم أنّه هشّ وغير ذي قيمة على المستوى الإستراتيجي، بل لتمحو على أساسه من الأذهان، المشهد القاتم الذي كان سائداً في أرجاء الوطن السوري زهاء نصف قرن، بدءاً من مسألة التّوريث والتأبيد، الى كمّ الألسنة والعقول، الى الإطباق الشموليّ والشّخصنة، الى الحكم المَلكيّ، الى التزمّت المُقنّع، الى تعليق الدستور والإستعاضة عن مواده بالمراسيم الإشتراعيّة… ويمكن تلخيص كلّ ذلك بصياغة نظام مُشَخصَن ذي طابع أحاديّ أي اختصار نظام في فرد.
هذا التكوين الإقطاعي جعل مفاهيم الحريّة والعدالة والحقوق مجرّد شعارات فارغة، ما أرغم الناس على أن يخضعوا لقهر أبديّ. وعلى رفات الشعب، راحت بطانة الحاكم تنهب مقدّرات الدولة وتراكم الثروات بخطّة واعية منظّمة، فهذه الطّبقة من الأثرياء الجدد كنزت رأسمال منهوب من دمّ الشعب وعرقه، وثمّرت أكثره في الخارج غير آبهة ببؤس الكادحين وحقّ الجياع في الداخل.
أمّا وحدانيّة الرأي فافترضت تكوين نظام سياسي “أبويّ” تعامل مع شعبه كرعايا. فحاكم سوريا، “ظلّ الله على الأرض” والمُغطّى بهذه الإيديولوجيّة المقدّسة، من حقّه أن ينكّل بالآراء المُناهِضة قمعاً واعتقالاً، ويدخّل أجهزة المخابرات في حميميّات الناس، ما أعطى سلطته المُمَركزة بُعدها الأكثر فظاظةً واستبداديّة. أمّا التّمويه المشهود للقوّة والضراوة، فكان بإنتخابات شكليّة، مُزوّرة بالضرورة، هدفها رسم ديمقراطيّة على مقاس القهر أي ديمقراطية وهميّة أو كاريكاتور ديمقراطيّة. وهذا ما جعل الحاكم ممتلكاً كلّ الحقوق، بما فيها حقّ التأليه والبيعة وسرمديّة السلطة بتوريثها لأبنائه.
أمّا مفهوم المواطنة المشوّش، فيبدو في طابور المبخّرين الذين أرهقوا قاموس المدح القسريّ، وفي شرائح الناس المردّدين، غصباً منهم، ما تمليه عليهم أجهزة الأمن أي السلطة الفعليّة للزعيم الأوحد. ولتأكيد فعل المواطنة في سوريا، كان يكفي المواطن أن يصرخ “يعيش سيادة الرئيس”. هذا الرئيس الذي يعيد إنتاج نفسه نمطيّاً بالتخويف واحتكار الإعلام وتقزيم المعارضين، إن وُجِدوا، وبتجيير القرار وتهميش المجالس وكبت المشاركة، لا يسمح للبديل أن يصبح قوّة ولا يساوم في تداول السلطة، فيجعل بالتالي سلطته وحدها مستقرّة وحاكمة الى ما شاء.
أمّا آليّات الديمقراطيّة فمشوّهة إن لم نقل ضائعة. فالحكم التوتاليتاري، في حقبتيه، قضى على حريّة الرأي والتعبير عنه، وألغى التعدّدية السياسية، ووضع اليد على استقلاليّة القضاء بفرض الأحكام العرفيّة، ومنع الحقّ في انتخاب حرّ، وأطلق العنان للمخابرات تدخّلاً في ما هو سياسي وأكثر، وأخضع الوطن لحال الطوارئ بحجّة الصّراع (الشّكلي والنّظري) مع إسرائيل، ومارس أعنف أشكال الإقصاء والنفي والإعتقال. فما كان يتوقّعه الشعب السوري من انفراج ديمقراطي بعد انتقال السلطة بالوراثة، ذهب هباءً في وعود عرقوبيّة أفضت الى ثورة الجثّة على الموت، فقوبلت بجرائم غير مسبوقة لم يقترفها أعتى جزّاري التاريخ وطغاته.
وبعد، هل يمكن أن يمرّ التزوير وتنطلي صورة الرئيس المُصلِح والمُتصدّي المُمانع، على شعب تُنتَزع حياته ويعرف أنّ الحريّة ليست مجّانيّة، وهي غير قابلة للمساومة، وأنّ الإرادة وحدها تحقّق المستحيل؟ في سوريا ليس من مستحيل لا يمكن للشعب تحقيقه.
يكفي تباكي على الشعب السوري ريائاً وكذباً !تكرهون النظام حقكم ولكن الرجاء لا تستخفوا بالشعب السوري لأن تعاطفكم المشوه كان عنصر مفقود عند الاعتداء على العمال السورين وقتل بعضهم عام 2005 ، كما أن عنسرتكم وفوقيتكم البغيضة لا تسمح لكم بالتعاطف مع لبناني مثلكم فكيف سوري