بعيداً من السجال السياسي والهجمة الشرسة على رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، علينا الاعتراف بأمر واقع لا نستطيع غضّ النظر عنه، وهو أمر تحدّث عنه رئيس البلاد عندما تسلّم مذكرة 14 آذار من الرئيس فؤاد السنيورة، ثمة صعوبات أمنية ولوجستية في نشر الجيش اللبناني على حدودنا الشرقية والشماليّة.
وهذا الأمر الواقع نفسه تحدّث عنه بالأمس وبشكل أوضح هو أشبه «بدبّ» الصوت «يا جماعة الخير لبنان في خطر»؛فوزير الداخليّة صرّح بالأمس قائلاً: «حدودنا سائبة وسنبحث في إمكانيات الدولة لضبطها»، ثمّة مثل شعبي يقول:»المال السائب يُعلّم الحرامي السرقة»، فكيف هو الحال إذا كانت حدود بلد مخترقة من الشرق لأنها معبر وممر سلاح ورجال ومال وأعمال حزب الله، وللمناسبة إذا كان الجيش اللبناني ومنذ العام 2000 لم يجرؤ على الانتشار في جنوب لبنان ولم يدخلها إلا بعدما أمّن له القرار 1701 ذلك وبالتعاون وبدعم من قوات اليونيفل، فكيف هو الحال بحدود أشد خطورة من الحدود الجنوبيّة!!
بالأمس طالب رئيس الجمهورية حزب الله بالانسحاب من سوريا، وجواب الحزب سبق طلب الرئيس بأيام، وحمله خطاب أمين عام حزب الله حسن نصر الله وقاله واضحاً:»تبيَّن معنا في التشخيص أنه أمام هذه الهجمة العالمية الكونية، مساهمتنا ولو كانت متواضعة (تفيد) «مثل ما يقال: الحجر يسند خابية»)…) ، «نحن ذاهبون إلى مكان نعرف كل تبعاته ومستعدون أن نتحمل كل تبعاته (…) فيجب أن نتحمل هذه التضحيات ونتحمل هذه التبعات، وإذا ظن أحد أن وضعنا على لوائح الإرهاب وأن تهديدنا باللبنانيين وأن الاعتداء على أي شكل من أشكال الاعتداء في الداخل والخارج يمكن أن يغير من موقفنا هو مشتبه»، بالتأكيد الحزب لن يضع مطالبة الرئيس ميشال سليمان من سوريا إلا في خانة «المؤامرة الكونيّة»، وحزب الله أدخل ميليشياته إلى سوريا لا ليسحبها، بل لينفذ مع الميليشيات العراقية والإيرانية احتلالاً لسوريا يفرض عبره أمراً واقعاً علّه يحمي به حديقته الخلفيّة!!
والأخطر من كلّ ذلك أن القوى الأمنية في لبنان تظهر ضعفاً شديداً أمام مناطق حزب الله،فيما تستقوي على غيرها وبشدة،ومن المفارقات أنّ «قيادة الجيش أصدرت أمس بيانا حذّرت فيه من تداول بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي،أخباراً وصوراً تتعلق بالجيش اللبناني وتظهر مشاهد حساسة لعسكريين في منطقتي البقاع وصيدا،وتلمح إلى تقاعس الجيش عن قيامه بمهماته، من دون وجه حق.
وأعلنت قيادة الجيش أنها فتحت تحقيقا داخليا في ظروف الصور المتداولة وحيثياتها، وتهيب بوسائل الإعلام أخذ الظروف الأمنية الراهنة في الاعتبار وعدم التشهير بالجيش والتجني على عسكرييه عبر توزيع أخبار وبث صور للعسكريين من دون التحقق من الظروف التي حصلت خلالها»، يبدو أن قيادة الجيش تتكل على سذاجة المواطن اللبناني عندما تعلن أنها ستفتح تحقيقاً بالأمر؛ ربما علينا أن نسأل القيادة أين أصبح التحقيق في مقتل الضابط الطيار الشهيد سامر حنا، وليس هناك من داعٍ للقلق من الصور التي تنشر هنا وهناك فقد سبق ورأينا منها المئات في 7 أيار، وفي مناسبات أخرى!!
وبصرف النظر عن التفاصيل اللبنانية الفجّة في عجزها، أن تتمّ مخاطبة الأمم المتحدة ومن ضمن القرار 1701 لمعاونة الجيش اللبناني بالمعدات والتجهيزات والعديد أيضاً لينفذ انتشاراً على حدود لبنان الشرقية منعاً لمزيد من توريط لبنان في الأحداث السورية الداخليّة، فسلاح الحزب بات ينطبق عليه ما نصّ عليه القرار 1559 والقرار 1701 من سحب لسلاح الميليشيات، ومن يدري في مرحلة لاحقة قد يحارب حزب الله في الأردن أو البحرين أو السعودية فماذا ستفعل الدولة اللبنانية حينها،وهل تستطيع هذه الدولة ومعها الشعب اللبناني تحمل تبعات تهوّر حزب الله وارتهانه لأجندة «الولي الفقيه»!!
المطلوب تحرّك لبناني جدي جداً وقرارٍ حازم وحاسم بممارسة الدولة لسيادتها وحماية حدودها «السائبة»، وانطلاقاً من هذا «السيبان»، حان الوقت للطلب من الأمم المتحدة مساعدة لبنان على ضبط الحدود الشمالية والشرقية، لقطع الطريق على كلّ من يظن أنه باستطاعته فتح حرب على حسابه وإلقاء لبنان وشعبه في تهلكة لا شان له بها.
ثمة أمر أخير على الدولة اللبنانية أن تأخذه بعين الاعتبار، فتسجل موقفاً مشرفاً بتعليق العمل بما سُمّيَ «معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق» الموقعة في 22 أيار 1991 ، بسبب تورط حزب الله في الشأن السوري الداخلي، وبسبب الأوضاع التي تتعرض لها سوريا وشعبها حتى لا يكون لبنان «مكسر عصا» الفجور السياسي الذي يرفع صوته مذكراً بهذه الاتفاقية التي وقعها لبنان مكرهاً وبرغم أنف شعبه!!