كان يوم أمس حافلاً في وزارة الخارجية، فالوزير في حكومة تصريف الأعمال عدنان منصور “استضاف” سفيري روسيا وسوريا على التوالي لتنفيس القلق الذي يشعر به كل من الوزير وسفير النظام علي عبدالكريم علي على خلفية تقديم رئيس الجمهورية ميشال سليمان شكوى ضدّ الخروق السورية للأراضي اللبنانية الى الجامعة العربية وأخرى قبلها الى الأمم المتحدة..
وفيما يشكو لبنان النظام السوري الى المجتمعَين العربي والدولي، لم يعد لدى منصور وعلي من يشكوان له همّ الورطة التي وجدا نفسيهما فيها فجأة.. وفي الوقت الذي باتت فيه خروق النظام السوري بيد المجتمع الدولي، كان لا بدّ من تحرّك السفير الروسي ألكسندر زاسيبكين محلياً لإطلاق الرسائل من لبنان الى كل المنافسين الدوليين والمعارضين لتدخل روسيا في دعم النظام السوري بالمال والسلاح.. في الواقع فإن منصور وعلي كانا يحتاجان في هذه الفترة العصيبة الى جرعة دعم دولية تلطّف أجواءهما المتوترة وتهدئ أعصابهما المتشنّجة.
وزيارة علي تلت زيارة زاسيبكين، فكان قصر بسترس “ينغل” بالممانعين، في صورة مصغّرة عن الحيرة التي تحيط بـ”قصر الشعب” وما يعيشه رأس النظام السوري بشار الأسد من ضيق يكاد يخنقه. وبما أن منصور في لبنان يشكل رمزاً من رموز الوفاء للنظام السوري، كان شعاره في الوزارة اللبنانية المرهونة حالياً لمصلحة النظام “الجار قبل الدار”. وكل من الوزير والسفير محظوظ بوجود الآخر، فالوزير يترقّب بصمت كل التوصيات والسفير يُكثر منها ويلقي بها دفعة واحدة على كاهل الوزير، الصامد في خطّ الممانعة والسائر على خطى “المقاومة”، مبدياً اعجاباً بعلي “حكي تَ إسمعك ومشي تَ إقشعك”.
وكانت زيارة علي بالأمس استكمالاً لتصريحه يوم أول من أمس محرّضاً فيه اللبنانيين الموالين للنظام السوري على رئيس الجمهورية.. وكما في كل مرة تشكل وزارة الخارجية المكان الأمثل للتهجّم على معارضي النظام السوري والدفاع عن الوزير “الوطني”، وكانت المناسبة مؤاتية لتوضيح ما ليس بخافٍ على الشعب اللبناني الذي لم تعد تنطلي عليه خطط المتملّقين.. وعن سبب الزيارة قال علي “إن هذا المكان لكل السفراء من أجل التشاور في القضايا المشتركة بين البلدين”. وتابع “إنها وزارة الخارجية ومعالي الوزير هو المدخل الطبيعي والشرعي (..)”.
فقد سقط السفير في محاولته التعميم.. وإن كانت وزارة الخارجية المكان الطبيعي لكل السفراء، فلمَ حدّد السفير “القضايا المشتركة بين البلدين”.. فهل تقتصر مهمّات وزارة الخارجية على البحث في أمور لبنان وسوريا؟ وهل الوزير بالتالي متخصّص في قضايا النظام السوري؟ وفي المقابل، أليس في العالم كلّه دول راقية غير مسلّحة وغير ديكتاتورية تستحوذ على اهتمام وزارة الخارجية؟
وكذلك فإن علي لم يُفرغ كل ما في جعبته من رسائل الى رئيس الجمهورية، فالتصريح اليوم أكثر وضوحاً من سابقه، بما أنه يصوّر عدم اهتمام علي والنظام السوري بما يقوم به سليمان من خلال قول السفير بما معناه أن منصور هو “المدخل الطبيعي والشرعي” لتناول العلاقات بين البلدين.. لكن كلامه هذا، بما فيه من سموم النظام وما يحويه من قنابل موقوتة، يريد منه أن يعلن جهاراً أن النظام السوري لا يعترف بسليمان كمدخل للعلاقات بين البلدين أو ربما لا يعتبره شرعياً.. لكن ما يقوله علي لا يعكس أبداً حالاً من عدم الاهتمام بقدر ما ينقل البغض الذي يكنّه لرئيس الجمهورية وكل من يؤيّده.
وفي معرض دفاعه عن الوزير ودخوله من بوابته العريضة، لا يستذكر علي “حزب الله” إلا بالخير، مبدياً حرصاً “على لبنان كحرص لبنان على نفسه”! هذا في الواقع ما كان ينقص اللبنانيين، أن يستخفّ سفير بشار الأسد بعقولهم وأن يستهين بذكائهم.. فليس من لبناني حريص على لبنان قادر على إطلاق الصورايخ على أرضه نفسها ليقتل اللبنانيين الآمنين ويحرق أراضيهم التي يعتاشون منها. فإن كان علي اعتاد على التعامل مع هذا النوع من اللبنانيين، أمثال ناقل المتفجرات ميشال سماحة، فإن هؤلاء ليسوا سوى عيّنة من شعب كامل ما زال يصدّق بأن “الجيش العربي السوري” سيكون مخلّص العالم من العدوّ الإسرائيلي ليُعيد بعدها فلسطين المحتلة الى الفلسطينيين..
لهذا لا يوفّر علي العصب الديني ليثير شفقة الشعب العربي “ما يقوم به “حزب الله” اليوم هو ما يفعله أي غيور على كرامة المقاومة والمنطقة، فهو يدافع عن نفسه كما يدافع عن القدس والأقصى وكنيسة القيامة”. ويبرر علي الصواريخ التي تخرق سيادة لبنان بقوله “إن الصواريخ تلاحق الإرهابيين، هؤلاء الإرهابيون تسللوا عبر لبنان ووجدوا من يرعاهم في الداخل”.. وعلى هذا يمكن للسفير السوري أن يحلل ويتّهم من يشاء في لبنان من دون أن يسمّيه ليُبرئ نظامه القاتل والناقم على اللبنانيين بعدما حكمهم لسنوات مثل “دراكولا”، لكن الأحداث التاريخية منذ القرن التاسع عشر تؤكد أن سوريا وحدها كانت مسرح الإرهاب ومأوى للجماعات الإرهابية التي تصدّرها الى العالم كلّما وجدت حاجة لذلك ومصلحة لها في استخدام إرهابهم لإرهاب لبنان وتخويف اللبنانيين.
لقد وقع النظام السوري في الفخّ الذي نصبه مراراً للبنان.. ليس هناك من مرجعية خاضعة للنظام السوري غيورة على مصالح أي مواطن عربي وأولهم الشعب الفلسطيني، إن كل ما في الأمر أن النظام السوري غيور على المصالح التي سيخسرها في لبنان حين يفقد مبررات وجوده دولياً، والنظام يغار من اللبنانيين ويحسدهم لأنهم سيكملون حياتهم بعد مرور كابوس النظام. قيل “من جاور السعيد يسعد” ومن جاور الشقيقة يشقى.. فمتى ينتهي كابوس سفير بشار في لبنان؟