شهداء للجيش اللبناني. هي دائما ضحايا أول طلقات الغدر. من زمان ليس ببعيد، في حرب نهر البارد، اعتبر حسن نصرالله ان دخول الجيش مخيم المسلحين والارهابيين وزعيمهم شاكر العبسي “هدية” نظام الاسد خطا أحمر. لم يسمع الجيش وعيد حزب السلاح، دخل غير مبال وطوّع الارهابيين وخرج منتصرا، صحيح مكللا بحب الناس، بغار المقاومة الحقيقية لاجل الوطن، لكنه خرج مضرّجا بالشهداء والمعوّقين والجرحى.
هذا قدر الجيوش حين تنمو حول أقدامها جيوش اخرى رديفة لاهداف غير رديفة على الاطلاق، وهذا قدر الجيش عندما يتحلّق من حوله ومن حول المدفع الذي يطلقه، ناس لا يريدون سوء اللجوء اليه ولا يحلمون الا ببندقيته تحرس دارهم وشرفهم.
شهداء للجيش اللبناني في صيدا. هناك حيث قرر “حزب الله” والشيخ الاسير تصفية حسابات التطرّف والازدراء بهيبة السلاح الشرعي. هناك حيث يبدو المخطط ان تكون “طرابلس” الجنوب. كل الى سلاحه يظن انه السلطان المطلق صاحب الحق والمقاومة و”شرعية” حمل السلاح.
هناك في صيدا حيث تتظهّر صورة مصغّرة عن وطن ليس بوطن، عن جمهورية ليست بجمهورية، عن جيش يحاول بالمستحيل المتوافر، ومن دون غطاء سياسي متوافر، ان يقول انه ما زال هنا، لاجل الكل، لحماية الناس من بعضهم ومن جموحهم اولاً، وحماية البسطاء من جشع الافكار الجهنمية المدمرة.
هناك في صيدا، كما في كل الجنوب والشمال والبقاع، اراد الجيش توجيه رسالة، لكل من عنّ على باله ان يقول “أنا هنا” بسلاحه وحضوره “السياسي” من خلال عدد من المناصرين ليقول انه زعيم مطلق، و”زعيم” آخر يظن انه ملك أرواح الناس وقدرهم لمجرّد انه متمرّد على الجمهورية لاجل الولاية، اذا ظن هؤلاء ان الجيش “سعيد” برؤية كل هذا الدجل، واذا كان لم يشهر سلاحه كما يجب بعد في وجه هؤلاء الخارجين عن القانون، فهذا لا يعني انه غير موجود، او انه راض بمصيره، او انه ضعيف لا حول له ولا قوة، من صنع مواجهة مماثلة لحرب نهر البارد، يستطيع أن يصنع حرباً أشد ضراوة وقسوة على هؤلاء، فقط، فقط اذا مُنح مفتاح المدن كلها، ورُفع عنه الحظر السياسي المبرمج المشدد وتُركت له تحديد ساحات الشرف.
عند كل مفترق خطر، يُشهَر السلاح في وجه من يجب أن يحمل فعلاً السلاح وحده. يُستشهد الجيش فيقولون عنه “قتل”، لانهم احتكروا حتى الشهادة وهم ليسوا الا قتلة وقتلى.
كلهم متورطون، وخصوصاً خصوصاً من له “الفضل” الاول والاخير في تثعير التطرّف المذهبي الحاد في لبنان، اي “حزب الله”.
كلهم مدانون، خصوصاً من ظنّ ان بسلاح مقابل يمكنه ان يلملم شرعية لقيطة، من ناس مقهورين من سطوة سلاح حولهم الى أرقام، مجرّد أرقام.
كلهم مسؤولون وعلى رأسهم تلك الجمهورية الواهنة الضعيفة التي لا تريد أن تصدّق، أن لديها جيشاً قادراً على مكافحة جراثيم التطرّف وأحزاب السلاح الديني الفتّاك.
هذه جمهورية أعلنت استسلامها للشيطان، استسلام مجاني قاتل. نحن، نحن الشعب والجيش، هذه هي الثنائية المقدّسة الوحيدة، الشعب والجيش. نحن ندفع بالدم الاحمر القاني الثخين، ثمن حبّ هذه الارض.
هذه حكاية تروى ولا حكاية سواها. هذه حكاية هذا الوطن الذي اعتنق دماءنا. لن يكتب التاريخ عمن يندهون على زعامات الوهم والوهن، وتراب لا هي ترابنا ولا رائحتها من ثيابنا، ولا عطرها من زهر اللوز والطيّون والوزال وأكواز الصنوبر وصمخ الارز، التاريخ سيعدد شهداء الجيش، سيتكلّم عن ساحاتهم وعن خوفنا، عن مواجهاتهم ودعمنا، عن معاركهم وحبّنا.
لا نريد الشيء الكثير. نريد ان ينتزع السلاح غير الشرعي ولو بالقوة من الجميع وبشكل متساو، هل هذا كثير؟؟ هذا اعجاز في جمهورية تخشى أحيانا أن تقول عن أمواتها انهم “شهداء” فتقبل بتوصيف “القتلى” ليرتاح القتلة الموزعون في أزقة دمارنا الهائل والغضب الذي صار عاقرا…
