قبل أن يتحوّل لبنان إلى صومال آخر!
هل نحن ذاهبون إلى الانتخابات لإنتاج سلطة جديدة، أم لتحطيم آخر مقومات الدولة؟.
السؤال يُجسّد هواجس القلق التي تقض مضاجع اللبنانيين هذه الأيام، وهم يتابعون مسرحية العودة لتعطيل الدولة ومؤسساتها على إيقاع السجالات المحتدمة، والخلافات المشتعلة على موازنة مجلس الجنوب والصناديق الأخرى، إلى جانب ما استجدّ مؤخراً من حملات تكشف غرائب <عالم التنصّت> في بلد الإشعاع والنور!.
ولم يعد خافياً أن كل ما يجري على المسرح السياسي هو تمهيد، بل جزء لا يتجزأ، من مسرحية الانتخابات المقبلة، حتى يكاد البعض أن يربط الهواء الذي نتنفّسه بنتائج صناديق الاقتراع يوم المنازلة المشهودة في السابع من حزيران المقبل.
ولكن من قال إن الانتخابات هي حلبة لصراع الديوك الدامي، والمدمر لكل ما حوله؟.
وكيف نسكت على من يحاول أن يجعل من الانتخابات فرصة لتأكيد هيمنته على مقدّرات الدولة، وما تبقى من ليرات في خزينتها؟.
وهل صحيح أن الانتخابات في لبنان لا تستقيم إلا عبر لعبة <تصفية الحسابات>، واختراع البطولات الوهمية في تحصيل حقوق الناس المساكين دائماً، وخاصة في المواسم الانتخابية؟.
* * *
الخلاف بين رئيسي مجلس النواب ومجلس الوزراء ليس جديداً، أي ليس هو الأول من نوعه… وقطعاً لن يكون الأخير، ليس لأن كلاً منهما ينتمي إلى فريق يُصارع الآخر وحسب، بل لأن لكل منهما رؤية تختلف عن الآخر في طريقة إدارة الدولة وتفعيل دورها، وإصلاح مؤسساتها.
ولكن الاعتراف بهذا الواقع المرير بين <الرئيسين> لا يُبرّر الوصول إلى هذا الدرك من الممارسة اليومية لحكم البلاد والعباد، ولا إلى هذا المستوى المتدني في الخطاب السياسي بحجة الدفاع عن حقوق منطقة، أو التمسك بحق مُكتسب.
والمفارقة التي تُثير الكثير من الاستغراب هي حصر النقاش في حجم موازنة مجلس الجنوب، من دون التطرّق إلى فتح الملف من أساسه، والخوض في بحث موضوعي ومُتجرّد حول دور المجلس ومدى استمرار الحاجة لمهماته، توصلاً إلى وضع الآلية الأفضل لتفعيل عمله، وتمكينه من تحقيق الأهداف المرسومة.
لا أحد يستطيع أن ينكر ما حققه مجلس الجنوب من مشاريع إنمائية، اجتماعية، تربوية وصحية، في العقدين الأخيرين خاصة، رغم أن تاريخ تأسيسه يعود إلى أواخر الستينات، حيث تجاوب الرئيس شارل حلو مع مطلب الإمام موسى الصدر في إنشاء هيئة رسمية تعمل على رفع حالة الإهمال والحرمان عن منطقة جبل عامل.
ولكن إنشاء آلاف الكيلومترات من الأوتوسترادات والطرق المعبّدة وبناء عشرات المدارس والمستشفيات، وإقامة محطات توزيع مياه الشرب وتكرير المياه الآسنة، إلى غير ذلك من مشاريع البنية التحتية التي تُضاهي ما تم تنفيذه في بيروت والمناطق الأخرى، اقترن برسم علامات استفهام عن أسباب غياب الشفافية عن أعمال هذا المجلس، الأمر الذي دفع بكثيرين إلى التساؤل عن الكلفة الحقيقية لتلك المشاريع في ظل غياب آلية واضحة للعمل تُحدّد المسؤوليات وتحفظ دور المراقبة المالية.
ورغم التشنيعات التي أطلقت على مجلس الجنوب، ووصفته بـ<مجلس الجيوب>، استمر المجلس بطريقة عمله تحت مظلة الرئيس نبيه بري السياسية، إلى أن بدأت تتعثر الأمور في السنوات الأخيرة، وبلغت ذروتها في الأزمة الحالية التي تكاد تعطّل مسيرة العهد من خلال تعطيل إقرار الموازنة العامة للدولة، بسبب الخلاف المستحكم على موازنة مجلس الجنوب.
* * *
الواقع أن الأزمة المحيطة بمجلس الجنوب اليوم، يجب أن تُشكّل مدخلاً لإعادة البحث في أوضاع كل المجالس والصناديق المستحدثة دفعة واحدة ولمرة أخيرة، لحسم هذا الخلاف السياسي – الانتخابي بامتياز، والذي كان يطل برأسه، ولكن بحدة أقل، منذ عهد حكومات الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والذي كان يضطر إلى تدوير الزوايا تحت ضغط الأوضاع التي كانت سائدة إبان الوجود السوري، والمعادلات التي كانت تَرسم مسار الحكم ومواقع مراكز القوة والقرار فيه.
ولكن هل يمكن فتح مثل هذه الملفات الشائكة مع حكومة يتربّص أعضاؤها بعضهم ببعض، والانتخابات أصبحت على الأبواب، وتكاد كل القضايا الملحة تتحول إلى سلع رخيصة في البازار الانتخابي؟!.
إذاً ما العمل… وكيف يمكن إخراج طرفي الخلاف من هذا المأزق الذي يُهدّد بتعطيل الموازنة العامة، وتمديد شلل مرافق الدولة؟.
في بلد ارتبط قيامه بمعادلات دقيقة، وتغلّب على أزماته بتسويات متعددة، لا بد من العمل على تسوية تحفظ ماء الوجه للجميع، ولا يكون فيها ثمة غالباً ومغلوباً، في وقت يجب أن يكون منطق الدولة ودورها هو المنتصر الأول والأخير، وصولاً إلى وضع مصالح الوطن وسلامة عمل المؤسسات الدستورية فوق مستوى الخلافات السياسية، والحزازات الشخصية أو الحزبية.
ولعل هذا ما يسعى إليه رئيس الجمهورية الذي يشعر أكثر من غيره بمخاطر الخوض في مثل هذه الخلافات، وأجواء التوتر التي ترافقها، ليس على مسيرة العهد وحسب، بل وعلى حالة الهدوء والاستقرار في البلد، فضلاً عن المصداقية اللبنانية في الخارج.
* * *
وكما أن ملف التنصّت سيُعالج في إطار المؤسسات الدستورية والقضائية والأمنية المعنية، فإن معالجة ملف مجلس الجنوب يجب أن تبقى في إطار المؤسسات الرسمية المعنية، بانتظار أن يقول مجلس النواب الجديد كلمته في مشروع إلغاء المجالس والصناديق الذي استعجل رئيس المجلس النيابي في إحالته إلى اللجان المختصة، في إطار المواجهة المحتدمة مع رئيس الحكومة!.
قبل الانتخابات النيابية وبعدها… وقبل مجلس الجنوب والصناديق الأخرى وبعدها، المهم أن نستعيد مقوّمات الدولة ونُعزّز دورها، قبل أن يتحوّل لبنان إلى صومال آخر..!.