#dfp #adsense

قلّب مع “النهار” صفحات تجربته الديبلوماسية والشخصية قبل ساعات من الانفجار

حجم الخط

قلّب مع “النهار” صفحات تجربته الديبلوماسية والشخصية قبل ساعات من الانفجار
فيلتمان: لم أشعر بالتـزام شخصي في أي بلد كما شعرت هنا
تظاهـرة 14 اذار جسّـدت لحظة اكتشاف اللبنانيين لقـوتهم


أسوأ ذكريات السفير الاميركي جيفري فيلتمان في لبنان هي الاغتيالات السياسية، “فلبنان لم يكن ينبغي ان يخسر هذا العدد من الوطنيين في مدة الثلاث سنوات ونصف السنة الاخيرة، قتلوا فقط لأنهم رفعوا صوتهم لحرية لبنان واستقلاله”.


وهو لا يخفي احترامه الكبير “لشجاعة القادة اللبنانيين الملتزمين قضية بلادهم: انا هنا لبضع سنوات فقط، اما هم فيواجهون اخطارا امنية اكبر ولمدة اطول”.


عندما قال فيلتمان هذه الكلمات قبل ظهر امس في حديث الى “النهار”، لم يكن يعلم ان انفجارا سيستهدف بعد ساعات قليلة في منطقة الكرنتينا سيارة تابعة لسفارة بلاده. بل كان يستعد للقاء عدد من اصدقائه اللبنانيين في احتفال وداعي كان مقررا لمناسبة مغادرته بيروت بعد ايام.


والجلسة مع احد ابرز السفراء الاجانب في لبنان والذي اثار جدلا كبيرا في البلاد، لم تكن مخصصة للسياسة، بل لتجربته الديبلوماسية عموما واللبنانية خصوصا. وقد قلّب صفحاتها بكثير من الوضوح والصدق تجسّدا بحماسته لدى كلامه على انجازات اللبنانيين، وبتأثره لدى عودته في الذاكرة الى بعض الاحداث.


والعناوين الابرز: اولاً، التزامه الشخصي حيال لبنان، “بطريقة لم اشعر بها في اي بلد آخر في مسيرتي بالسلك”، وهو ما سيواصله في مهمته المقبلة في وزارة الخارجية الاميركية.


وثانياً، اعجابه بالشعب اللبناني “الذي جعل العالم يستيقظ ليرى لبنان، ليس كجزء من النزاع اللبناني – السوري، او كجزء من النزاع العربي – الاسرائيلي، او كجزء من لعبة الاحجية الشرق – اوسطية، بل لبنان كلبنان”.


ولن ينسى مشهد تظاهرة 14 اذار 2005، التي جسّدت “لحظة اكتشاف اللبنانيين لقوتهم”.


وثالثاً احترامه للقادة اللبنانيين عموماً “الذين يعتقدون بصدق انهم يعملون لمصلحة وطنهم”، “وهؤلاء الذين يُعتبَرون الاقرب الينا كانوا قساة جدا معنا ومعي تحديدا، حيال المصلحة اللبنانية واين يرون ان السياسة الاميركية لم تخدم هذه المصلحة”.
ولا يغيب اللقاء عن محطات اخرى في مسيرة فيلتمان الذي اختار الديبلوماسية مصادفة، وهو الذي كان يحلم ان يكون فنانا في نيويورك “ولكن لم يكن لدي الموهبة المطلوبة ولا الطبع المناسب”.
وفي ما يأتي نص اللقاء:

 

• لماذا اخترت ان تكون ديبلوماسيا؟


– حصلت الامور مصادفة. فأنا متحدر من بلدة زراعية صغيرة جدا في الولايات المتحدة، هي غرينفيل  على الحدود بين ولايتي اوهايو وانديانا. وقد تابعت دروسي الجامعية هناك، وسنحت لي الفرصة ان امضي عاما دراسيا في لندن، في كلية الفنون حيث درست فن الطباعة. وكانت هذه تجربتي الاولى في مدينة حقيقية، وخارج بلادي. اكتشفت انني احب هذه الحياة، وراقني شعور توسيع الفكر عبر التفاعل مع آخرين، علما انهم كانوا انكليزا، اي لم يكونوا مختلفين كثيرا عنا. وعدت بعد تلك السنة في لندن مقتنعا بأنني اريد ان اكون ملحقا ثقافيا، وهو ما يتيح لي ان ادمج بين هذا الاهتمام بالثقافات الاخرى، والفنون التي كنت ادرسها في حينه.


أكملت دروسي الفنية وحاولت دخول وزارة الخارجية. الا انني رسبت في الامتحان، لأنني لم اكن اعرف شيئا عن السياسة الخارجية. وفهمت ان علي تعميق معرفتي بالعلاقات الخارجية، فعدت الى الجامعة ودرستها. وذهبت الى نيويورك حيث عملت عامين في مؤسسات دولية، وخضت مجددا امتحانا لدخول وزارة الخارجية، ونجحت هذه المرة.
• قبل لبنان، تسلمت مهمات في دول متنوعة. ما ابرز الدروس التي استخلصتها منها؟


– اخترت دائما مهمات ودولا اعتقدت انها مثيرة للاهتمام، وتبين لي انني محق في خياراتي. فخدمت في هايتي في مرحلة مهمة جدا، خلال محاولة انتقال هذا البلد من الديكتاتورية الى ديموقراطية غير مكتملة لا يزال يعاني بسببها. وكنت في المجر بين عامي 1988 و1992 خلال انتقالها من كونها جزءاً من الامبراطورية السوفياتية الى توجهها نحو الغرب. عموما، كنت محظوظا للعمل في دول كانت تشهد تغييرات تاريخية.


 اما عملي في تل ابيب والقدس، فكان مرتكزا خصوصا على الشؤون الفلسطينية. ففي تل ابيب، كنت التقي الفلسطينيين، واعمل معهم واراقبهم. وكان ذلك خلال سني انطلاق مسيرة اوسلو. وكنا نحاول انجاز مشاريع انمائية واقتصادية في قطاع غزة، وامضيت ثلاثة اعوام هناك. وما اكتسبته من هذه المرحلة هو فهم عميق جدا للملفات الفلسطينية، وتعاطف كبير مع معاناة الفلسطينيين.


وفي القدس، كنت نائب رئيس البعثة الاميركية الرسمية لدى الفلسطينيين، ثم رئيسها. وكان ذلك خلال اعوام تطوير خريطة الطريق. وبقي لدي من هذه الاعوام السبعة في تل ابيب والقدس، الاقتناع بأن اهم ما يمكن ان تحققه الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في الشرق الاوسط هو العمل لحل للنزاع الفلسطيني الاسرائيلي، وسيكون لذلك انعكاسات ايجابية على كل المنطقة، اذ ان امورا كثيرة مرتبطة به.


“سحرتمونا جميعا”

• تغادر لبنان قريبا بعد ثلاثة اعوام ونصف العام. اي لبنان تترك وراءك؟


– في اعوامي الـ22 في السلك الخارجي، لم اتأثر الى هذا الحد بكرم الضيافة والصداقة كما في لبنان. ولا اتحدث عن الذين يوافقونني الرأي السياسي فحسب، بل تأثرت اكثر حتى لشعوري بحرارة الاستقبال لدى من لا يوافقونني الرأي سياسيا، لكنهم على رغم ذلك يستقبلونني في قلوبهم ومنازلهم. فالكلام على حسن الضيافة اللبنانية “كليشيه”، لكن كل الديبلوماسيين الذين يخدمون في لبنان يغرمون بهذا البلد. فقد سحرتمونا جميعا، ولبنان بلد رائع.


• كيف تصف حال هذا البلد الرائع اليوم؟


– لا اريد ان اقلل من حجم التحديات التي يواجهها اليوم. فهي كبيرة جدا، سياسيا واقتصاديا وفي مجالات اخرى. لكن لبنان الذي اتركه ورائي ينعم بشراكة دولية امتن بكثير من اي وقت سابق. وهذا امر سيعرف اللبنانيون، وهم مقاولون ومبدعون جدا، كيف يستفيدون منه. لم يحصل في تاريخ هذا البلد ان ركز  العالم كله تقريبا على لبنان كلبنان، فذهب الى مؤتمرات مثل باريس 3 لمنحه مالا، واجتمع العرب في القاهرة لايجاد حل للفراغ الرئاسي. في اختصار، يمكن القول ان لبنان اليوم استحوذ على اهتمام العالم بطريقة فريدة جدا.


• هل كان هذا الاهتمام مفيدا حتى اليوم؟


– نعم، فمن دون هذا الاهتمام الدولي لما كنتم حققتم الانجازات التي حققتموها. لا يزال امامكم طريق طويل، وهذا الامر أوضح اليوم مما كان قبل ثلاثة اعوام. لكن ما هو افضل؟ ان يتخذ مسؤولون لبنانيون قرارات تعني لبنان، او ان يُستعان برأي اشخاص غير لبنانيين في عنجر؟ انا اقول ان من الافضل ان يقرر المسؤولون اللبنانيون. ولقد تمكنتم من تحقيق ذلك لأن الاصوات اللبنانية كانت مرتفعة ومقنعة وجذابة كفاية ليهتم العالم ويقول: يجب ان ندعم هذا البلد. والعالم سيواصل دعم هذا البلد.


“أشعر بالتزام شخصي”

 

• هذا لبنان الذي تتركه، ولكن هل تترك جزءا منك في لبنان؟


-طبعا، انظري الى عدد الديبلوماسيين الذين يغادرون لبنان ثم يعودون جسديا. ومنهم سلفي فنسنت باتل، الذي يعيش هنا الآن. وهناك سفراء سعوديون سابقون هنا، والسفير المصري السابق عاد لتمضية عطلة رأس السنة. 


 هذه العودة ترمز الى ما يشعر به حيال لبنان كل من خدم في هذا البلد. أشعر بالتزام شخصي حياله، بطريقة لم اشعر بها في اي بلد آخر في مسيرتي في السلك. فهذا بلد فريد، ومليء بالتحديات والاثارة، وفي حالات كثيرة بلد مسلّ، ومهم أيضا. لا أستطيع ان أفكر في أي مكان آخر كنت فضلت ان أخدم فيه خلال هذه المرحلة بدل لبنان،  على رغم الصعوبات والتحديات.


• ما الذي فاجأك في هذا البلد؟


– ما فاجأني هو الى اي درجة ينظر اللبنانيون الى الخارج بحثا عن حلول. وافهم الأمر في شكل أفضل اليوم، بعد التعمق في تاريخكم الحافل بالتدخلات الاجنبية وبعد الحديث الى الناس هنا. لكن لم أتوقع ان تنظر مجموعة من اللبنانيين الى دعم خارجي لمساعدتها ضد مجموعة أخرى من اللبنانيين. هذه كانت مفاجأة بالنسبة الي.


 وتفاجئني ايضا وقاحة البعض في تجاهله  المؤسسات الدستورية أو تخطيها أو ضربها. في دول كثيرة، ويا للأسف، مجلس النواب يصبح نكتة. ولكن في لبنان مجلسكم لم يكن نكتة، بل كان مساحة للنقاش، وشكّل كنزا للديموقراطية اللبنانية، ورمزا لها. وأكاد لا أصدق انه يُسمَح باقفاله منذ أكثر من عام، وان يتم تجاهل طلب النواب عقد جلسة. ولا أفهم اين مصلحة لأي طرف في ألا يكون المجلس مساحة للنقاش حول أمور جدية.


اهتمام الاعلام بالديبلوماسيين

 

• ما رأيك في نظرة اللبنانيين الى دور الديبلوماسيين الاجانب؟


– دور السفراء والبعثات الديبلوماسية هو اكبر في عيون اللبنانيين مما هو فعلا. فمعرفتنا في السفارة الاميركية بالشؤون اللبنانية ليست مثالية، وهي مستندة الى الامور نفسها التي تستند اليها معرفتكم. نتكلم الى الناس، نستمع، نتابع الاعلام. والاهتمام الاعلامي بالبعثات الديبلوماسية هو امر آخر فاجأني. وهو يساهم في منح السفارات دورا اكبر من الذي قد تؤديه عادة. عندما انظر الى امور سلبية تكتبها بعض الصحف عني، أفاجأ كثيرا. هل هي تعتقد فعلا ان لدي كل هذا التأثير الذي تنسبه الي؟ او هل الامر بروباغندا فقط؟ لست أكيدا.


• هل تشعر بأنك تتحمل مسؤولية كبيرة، بسبب الاتهامات الكثيرة الموجهة الى بلادك، والتي تدفع البعض الى تلقيب الحكومة اللبنانية “حكومة فلتمان”؟


– الولايات المتحدة هي القوة العظمى على الارض اليوم. وتمثيل المواطنين الاميركيين لدى المواطنين اللبنانيين هو مسؤولية كبيرة جدا. والانتقاد متوقع، ومن الطبيعي ان ينصب كل هذا الاهتمام على الولايات المتحدة، نتيجة قوتنا الاقتصادية والعسكرية والسياسية في العالم. احيانا أجد الانتقاد غير عادل، وان الآخرين لم يستمعوا الى ما قلناه على رغم اننا شفافون أكثر بكثير مما يعترفون لنا به. لكن هذا جزء من العمل. واذا لم يشكك الاعلام اللبناني بالسياسة الاميركية، فهو لا يقوم بعمله.


قادة وطنيون

 

• عشت معنا تطورات كثيرة، محزنة وسارة. كيف تنظر الى الشعب اللبناني؟


– عامل التنوع في لبنان هو في وقت واحد عامل شبه واختلاف معنا. من جهة، اللبنانيون متعودون العيش مع اشخاص متنوعين دينيا وسياسيا. تماما كما الأميركيين. والشعبان ليسا متجانسين ويتميزان بالغنى الثقافي. لكن هناك جانبا آخر للتنوع في لبنان يحزنني. فثمة شعور احيانا حيال اللبناني الآخر بأنه “آخر”، لا انه لبناني.


وما استغربه هو ايضا انعكاس هذا التنوع على السياسة. لننظر الى ظاهرة بارك أوباما في الولايات المتحدة. فهو احد المرشحين الديموقراطيين الرئيسيين للرئاسة لأنه اميركي من أصل افريقي تمكن من جذب اصوات البيض. لم يتوجه فقط الى الاميركيين من اصل افريقي، بل الى البيض ايضا. وغالبية الاصوات التي نالها في آيوا هي من البيض. في لبنان، لو حدث الأمر وحده، لما كان اعتُبر اوباما اسود، بل كان سُمي ابيض، لأن البيض يدعمونه. وهذا امر فريد وغريب. وما يجب ان يكون غنى ويشكل افادة لسياسي، وهو القدرة على التوجه الى اكثر من قاعدة ضيقة، يُستخدَم ضده في لبنان. 

 
• ماذا عن القادة اللبنانيين، كيف تصفهم عموما؟


– رغم الاتهامات العلنية التي يراها المرء يوميا في الاعلام، من التقيهم هم وطنيون لبنانيون. ثمة سياسيون لا التقيهم، ولست اكيدا انهم يريدون ان يلتقوني لو طلبت ذلك. لكن هؤلاء الذين التقيهم، ولا اتحدث عن قوى 14 آذار وحدها بل عن مسؤولين من كل التوجهات السياسية، يعتقدون بصدق انهم يعملون لمصلحة لبنان. ثمة نقاش حول التحالفات الفضلى في العالم بالنسبة الى لبنان، وهذا نقاش مشروع. واعتقد ان القادة لا يناقشون الامر بصفتهم يخدمون طرفا او آخر، بل لكونهم مهتمين صدقا بأفضل دور للبنان. وهذه حال غالبية القادة.


وهؤلاء الذين يعتبَرون الاقرب الينا كانوا قساة جدا معنا، ومعي تحديدا، حيال المصلحة اللبنانية واين يرون ان السياسة الاميركية لم تخدم هذه المصلحة. وبعض لقاءاتي الاصعب في لبنان كانت مع هؤلاء المتهمين بأنهم الاقرب الينا.


• ثمة سياسيون كثر في لبنان، وبعضهم ممن تزورهم دوريا، ينتقدونك وينتقدون بلادك في شكل قاس. كيف تتعامل مع هذا الامر؟


– نتعامل مع بعضنا البعض على مستويَين مختلفين. عندما ازور قائداً لبنانياً، افعل ذلك بصفتي سفيراً للولايات المتحدة يزور شخصا يؤدي دورا سياسيا في لبنان. وهناك دائما محاولة لإيجاد نوعين من العلاقة في وقت واحد: علاقة رسمية تكون احيانا متوترة، واخرى شخصية تكون عادة حارة في لبنان وربما تساعد العلاقة السياسية. وعندما ينتقدني احدهم او عندما ينتقد سياسة بلادي، لا اتخلى عن العلاقة الشخصية.


لحظة اكتشاف اللبنانيين لقوتهم

 

• ما هي افضل ذكرى لك في لبنان؟ وما هي الاسوأ؟


– اسوأ ذكرياتي هنا نوعان: الاول هو حرب 2006. والثاني هو الاغتيالات ومحاولات الاغتيال التي استهدفت الرئيس الحريري والآخرين. (يتوقف متأثرا). لبنان لم يكن ينبغي ان يُجَر الى الحرب خلال صيف 2006، ولم يكن يجب ان يخسر هذا العدد من الوطنيين في مدة الثلاث سنوات ونصف السنة الماضية. اشخاص حاولوا فقط رفع صوتهم لحرية لبنان واستقلاله، وقتلوا لهذا السبب.


لكن الذكريات السارة كثيرة ايضا. ومن ابرزها مشاهدة اللبنانيين متجمعين في  14 آذار 2005. انا انظف مكتبي الآن، وقرأت قبل قليل برقية ارسلتها الى واشنطن في 13 آذار 2005، اي عشية التظاهرة العملاقة. كانت متعلقة بحديث مع المبعوث الدولي تيري رود لارسن، الذي كان عائدا من دمشق والذي كان التقى مسؤولين لبنانيين في حكومة الرئيس عمر كرامي. وكان رود – لارسن يقول لي: يقولون ان السوريين قد ينسحبون خلال ستة اشهر، لكن هذا الأمر ليس اكيدا، ولا التزامات. وفي اليوم التالي كل شيء تغيّر. ولم يتغير بفضل المجتمع الدولي بل بفضل اللبنانيين. هذا ما اجده رائعا. ان اللبنانيين انفسهم، بعد اعوام من النظر الى الخارج بحثاً عن دعم ومساعدة وارشاد، تظاهروا في 14 آذار، مما ادى الى انسحاب الجيش السوري واغلاق عنجر. هذه اللحظة كانت مذهلة، لحظة اكتشاف اللبنانيين لقوتهم.


• هل يمكن ان تتكرر هذه اللحظة؟


– يكون رائعا اذا تكررت. لديكم انتخابات رئاسية الاثنين، ما يقود الى تشكيل حكومة جديدة، واعادة احياء مجلس النواب. اتمنى ان تستعيد مؤسساتكم الدستورية عملها انطلاقا من الاسبوع المقبل. واذا لا، اتمنى ان يقول الشعب: فلننتخب رئيسا الآن!


لبنان كلبنان

 

• هل تندم على امر فعلته او لم تفعله، قلته او لم تقله؟


– كل يوم افكر في ما كان يجب ان افعله اكثر مما فعلته. لم يمر يوم قلت فيه لنفسي: هذا كان يوما ممتازا. قد اكون تحدثت احيانا الى الاعلام اكثر مما يجب، واحيانا اخرى اقل مما يجب. لدي ارشاد جيد من فريق عملي، وعموما، حاولت ايجاد توازن بين اظهار السياسة الاميركية حيال لبنان وترك المجال للبنانيين انفسهم ليجدوا طريقهم من دون ان أبدو متدخلاً. ربما لم اتوصل دائما الى هذا التوازن.


 وادرك أنني كنت  هنا شخصية مثيرة للجدل، لكن الأمر ليس متعلقا بجفري فيلتمان، بل كان سيكون نفسه مع اي سفير اميركي آخر، في مرحلة تغيرت فيها السياسة الاميركية حيال لبنان، وتغير فيها لبنان. ومما اقوله لمن اودعهم ان الولايات المتحدة تنظر اليوم الى لبنان كلبنان، وهذا الامر الذي حدث في الاعوام الثلاثة الأخيرة افتخر به كثيرا. لا ادري اذا كان لي دور في ذلك او لا، واعتقد ان الدور الكبير اداه الشعب اللبناني، الذي جعل العالم يستيقظ ليرى لبنان. ليس لبنان كجزء من النزاع اللبناني – السوري، او كجزء من النزاع العربي الاسرائيلي، او كجزء من لعبة الاحجية الشرق – الاوسطية، بل لبنان كلبنان. وانتم من فعل ذلك.


• ثمة لبنانيون كثر لا يزالون يخشون حصول تغيير في نظرة العالم، وخصوصا الولايات المتحدة، اليهم، خصوصاً بسبب تجاربهم السابقة؟


– في امكانكم  انتم ان تضمنوا عدم حصول التغيير. انتم اوجدتم التغيير عبر توصلكم الى اجندة موحدة حيال بعض الأمور. انسحاب السوريين في نيسان 2005 كان ضمن اجندتكم، وتبعكم المجتمع الدولي. واقفال عنجر كذلك. والمحكمة الدولية كانت مطلبا للحكومة، واصبحت مطلبا للمجتمع الدولي، كل هذه البنود حددها لبنان. وهذا ما يجب ان يكون. يجب ان ندعم قراراتكم، لا ان نحثكم عليها.


“سأشتاق الى الشغف السياسي”

 

• الام ستشتاق في لبنان؟ والام لن تشتاق؟


– اعتقد ان اكثر ما سأشتاق اليه هو الوتيرة اليومية للحياة في لبنان. عندما ازور حَرَما جامعيا هنا، اشعر بالوعي والاهتمام السياسيين لدى الشباب اللبناني. في الولايات المتحدة، الوضع مختلف، ولا يوجد هذا الشغف بالسياسة كما هنا. سأشتاق الى هذا الشغف. مع انه يذهب احيانا في اتجاهات خطرة في لبنان، وانا مسرور لان اللبنانيين كانوا حكماء في العام الاخير في تجنب الاستفزازات التي كان يمكن ان تحول الشغف عنفا. لكن ثمة شغفا للحياة في لبنان سأشتاق اليه. وينسحب الامر على الحياة الاجتماعية.


 ما لن اشتاق اليه ابدا هو الاستماع الى البعض يحاول تبرير وجوب اقفال البرلمان، ولماذا يجب الا تحصل الانتخابات الرئاسية، ولماذا يجب ربط كل شيء بحل مثالي لن يحدث يوما؟ لن اشتاق الى هذه المبررات التي تهدف فقط الى قيادة البلاد الى الازمة  والى تآكل مؤسساتكم الديموقراطية.


 واكثر ما لن اشتاق اليه هم هؤلاء الذين يعتقدون انني املك سر المستقبل، ويأتون الي ليسألوني: سعادة السفير، ما الذي سيحصل لنا؟ في حين انني احاول مثلهم ان اعرف.


الاخطار الامنية

 

 •هل كان صعبا عليك ان تعيش في ظل هذه الاجراءات الامنية الدائمة؟ 


– اعتقد ان السفراء الاميركيين حول العالم يقلقون على امنهم. قد اكون وضعت تحت اجراءات امنية اكبر من تلك التي فرضت على سفراء اميركيين آخرين. ولكن انظري الى القادة اللبنانيين. انا هنا لبضع سنوات فقط. اما هؤلاء القادة الملتزمون قضية بلادهم فيواجهون اخطارا امنية اكبر ولمدة اطول. ولدي احترام كبير لشجاعة القادة اللبنانيين. ومن المثير للاهتمام ان نرى اي قادة يتمكنون من التجول من دون اجراءات امنية، واي قادة يجب ان يبقوا مختبئين لأن زملاءهم هم الذين اغتيلوا.


• هل لديك اصدقاء حقيقيون هنا؟


– اعتبر ان لدي اصدقاء حقيقيين هنا، تعاملوا معي بصداقة مدهشة. ثمة اشخاص، ومنهم تجار وسياسيون، التقيهم للعشاء، او اذهب معهم الى السينما. واعتقد ان اللبنانيين لديهم موهبة الصداقة، وكنت محظوظا جدا لأنني افدت من هذه الموهبة. وثمة اشخاص لا اريد ان افقد الاتصال بهم ابدا، حتى نهاية عمري.


• اي مستقبل تتوقع للبنان؟


– انا متفائل حيال لبنان، ولكن ليس بطريقة ساذجة. في بلد لديه هذا التنوع، حمايتكم الفضلى هي حكم القانون  والاتكال على المؤسسات الدستورية. فعندما تستفيدون من الانتخابات الرئاسية لاعادة احياء المؤسسات الدستورية، والاتكال مجددا على البرلمان  مساحة للنقاش، فأنا متفائل جدا بمستقبل لبنان.


اما عندما تعمل بعض المجموعات خارج حكم القانون، وتواصل تعزيز جيشها الخاص، وتطالب بتوافق الآخرين من دون ان تمنحهم اي مشاركة في قراراتها، فأقلق.
انا متفائل بانكم ستُوفقون، ولكن آمل ان يحصل الأمر سريعا، والا يتأخر.


• ما هي مهمتك المقبلة؟


– سأعود الى وزارة الخارجية في واشنطن. وستكون المرة الاولى اعيش واعمل في الولايات المتحدة منذ 1993. خلال حياتي، عملت عامين فقط في الخارجية في واشنطن، مما يعني انني امضيت في السفارة في بيروت مدة اطول بمرتين تقريبا. لذلك ستكون واشنطن تجربة جديدة بالنسبة الي. وبعد 15 عاما خارج الولايات المتحدة، انا متشوق للتعرف مجددا الى بلادي. سأكون المساعد الاول لديفيد ولش، في مكتب شؤون الشرق الاوسط. وانا متأكد من ان هذا الخبر لن يسر الجميع في لبنان، لكنني سأواصل العمل من اجل الشراكة اللبنانية الاميركية. وسأتابع شؤون لبنان مهنيا وشخصيا.


•هل من رسالة الى اللبنانيين؟


– اتمنى ان يدرك كل اللبنانيين ان بلدهم كنز، بسبب التنوع والديموقراطية. اعتقد ان لبنان يمكنه ان يكون رسالة ايجابية جدا الى العالم، واتمنى ان يدرك كل اللبنانيين ذلك. واريد ايضا ان اشكرهم لمشاركتي في هذه التجربة ولاستقبالي بهذه الحرارة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل