#dfp #adsense

كيف تقرأ دوائر القرار في المعارضة أبعاد المبادرة العربية وخلفياتها ؟

حجم الخط

كيف تقرأ دوائر القرار في المعارضة أبعاد المبادرة العربية وخلفياتها ؟

ابراهيم بيرم 

 

لم يخف كثر ممن هم في المحيط القريب من اقطاب المعارضة شعوراً انتابهم في اعقاب اللقاءات التي اجريت مع الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، فحواه ان موفد النظام الرسمي العربي، او ما تبقى منه، يتحدث بلهجة يستشف منها انها تستبطن مضمون خطاب فريق الموالاة خصوصاً في الدعوة الى التعجيل في انتخاب رئيس الجمهورية، وارجاء بقية الأمور الخلافية الى ما بعد هذه الخطوة المفصلية، خصوصاً ايضاً عدم “الاعتراف” بقرار المعارضة مجتمعة تكليف النائب العماد ميشال عون التفاوض باسمها، والتشكيك في هذا القرار واعتباره نوعاً من المناورة.


الحوار مع مفوض المعارضة

 

وحيال ذلك كان الرئيس نبيه بري والامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله حازمين وجازمين في الأمر الأخير، الى درجة ان الثاني قال صراحة عن قرار الموالاة عدم فتح ابواب الحوار والتفاوض مع عون إنما جاء التزاماً لتعليمات واضحة من الخارج.


فالأسباب التي تقدمها الموالاة الآن لعدم التحاور مع عون من قبيل انها تكرس زعامته مسيحياً ومبررات اخرى انما هي اسباب متهافتة وساقطة، اذ شهد الصيف الماضي لقاءين بين النائب سعد الحريري والعماد عون في باريس وبيروت.
وذهب الرئيس بري الى ابعد من ذلك عندما قال لموسى: اذا كانوا يشككون في الأمر، فليجربونا ليلمسوا لمس اليد جديتنا فيه، وليتيقنوا بأن قرارنا تفويض عون، ليس مزحة أو مناورة بل هو قرار لا عودة عنه. ودور العماد عون اساسي واستراتيجي في حركة المعارضة وتوجهاتها.


واكتملت فصول “استغراب” المعارضة من مواقف “عرب الاعتدال” بالكلام الذي قاله العماد عون نفسه لموسى ومضمونه: “لدينا شعور بأنكم، إنما تعاقبوننا لأننا وقفنا في وجه اسرائيل ورفضنا عدوانها على شعبنا”.


“الانحياز” العربي

 

وليس جديداً على المعارضة، هذا “الانحياز” المفضوح الذي تراه لدى بعض العرب لمصلحة خصمها السياسي، فهي تدرك تمام الادراك ان هذا “الانحياز” المفرط وهذا الحرص المبالغ فيه على فريق الموالاة وتوجهاته انما يتسببا باطالة عمر الازمة اللبنانية، بل وتعميقها، وقد حالا في كثير من المرات دون بلوغ حلول لها كانت تبدو وشيكة.


ولكن ما اثار ريبة المعارضة وفضولها هذه المرة، هذا الحرص المستجد من هؤلاء العرب انفسهم على التوصل الى حل عاجل للأزمة اللبنانية، يبدو فيه كأن هؤلاء يجنحون نحو مقاربة واضحة لجوهر مطلب المعارضة، “وهو مسألة المشاركة عبر الاقرار بحكومة الوحدة الوطنية، بعدما كان فريق الموالاة نفسه قد رفض طوال المرحلة السابقة وبالتحديد منذ اعلن فجأة قبوله بقائد الجيش العماد ميشال سليمان مرشح تسوية للرئاسة الاولى اي بحث في مرحلة ما بعد هذا القبول باعتبار انه “ذروة” التنازلات” التي يمكن للموالاة ان تقدم عليها.


وربما يزعم بعضهم ان هذه الحماسة العربية المتأخرة لمقاربة الازمة اللبنانية، عبر مبادرة بآلية محددة هذه المرة، انما أتت بعد وصول المبادرة الفرنسية الى الحائط المسدود، ومع ان المعارضة لا تنفي من حساباتها هذا الاحتمال إلا انها تمضي الى ابعد من ذلك لترى في جانب غير مرئي من جوانب هذه المبادرة التي يتضح انها مستعجلة اكثر من اللازم، اموراً مضمرة غايتها القصوى الحيلولة دون انهيار اكثر دراماتيكية لفريق الموالاة، وانسجاماً مع نظرية الحد من الخسائر التي سيدفعها حتماً هذا الفريق في القريب العاجل، والتي بدأت معالمها بالظهور تدريجا منذ زمن ليس بالبعيد.


أسباب للريبة

 

“استرابة” المعارضة بأبعاد الحراك العربي المستجد واتخاذه هذين اللون والشكل بدأت بالتحديد منذ حزيران الماضي، عندما تناهى الى علم الرئيس بري ان ثمة رغبة مصرية عارمة في ان يكون العماد سليمان مرشح التسوية ومع ان بري قبل بالامر وطلب ممن ابلغوه بهذه الرغبة، ان يفاتح الطرف الآخر بالامر كي يقوم هو بما يتعين القيام به لامرار هذا الخيار المعقول، فان المعارضة أحست لاحقا بأن الذين قبلوا في ما بعد بهذا الخيار، انما قبلوه تحت وطأة الحاجة الى حركة عاجلة تملأ الفراغ السياسي الناجم عن الفراغ الرئاسي الذي عجزت الأكثرية عن ملئه برئيس يكون وليد رحمها السياسي في أسوأ الاحوال أو من نسيجها في احسن الاحوال.


وقبلوا به ايضا، بناء على نصائح متتالية أتتهم من اكثر من مصدر كي يكون هذا الأمر مقدمة “لرشوة” سوريا او اغوائها لعلها تضغط على المعارضة كي تقبل بهذا الترشيح وتغض الطرف عما يلي ذلك فتكون لها حرية الامساك بالقرار الحكومي وتعاود ما كانت بدأته وتعيد وصل ما كانت قطعته:
وشجعها على ذلك، كما يقول بعض مصادر القرار في المعارضة، شعورها بأن المعارضة وحلفاءها في لبنان رضخوا في خاتمة المطاف وقبل وقت لم يمر عليه الزمن لمقتضيات تفاهم سوري – فرنسي قضى في روحيته بخروج هادئ للرئيس اميل لحود من قصر بعبدا في اليوم الاخير من ولايته الرئاسية الممددة، خلافا لسيناريوهات اخرى كانت تعد لها المعارضة، طبعا في مقابل خطوات التزمتها الموالاة.


وعندما لم تفلح هذه الخطة المضمرة، كانت – كما تقول المعارضة – الخطوة الحالية، التي تمخضت عن خطة العمل العربية التي شرع موسى في ترويجها وتسويقها، ويعتزم العودة اليوم الى بيروت للغاية نفسها.


وبالنسبة الى المعارضة ايضا ثمة محاولة “عربية” جلية للقفز فوق جوهر مطالبها للذهاب ثانية الى اغراء دمشق بأمرين علها تتجاوب، وهي التي تذهب معهم في رحلة الضغط الشديد لاقرار الخطة بنسختها التي تتماهى مع الطموحات القصوى لفريق السلطة، والتي لم تعد تقتصر الآن على المرحلة الراهنة بل تمتد الى مرحلة الانتخابات النيابية المقبلة بعد عام و9 اشهر، وكيفية تهشيم العماد عون لفرط عقد المعارضة او لضرب الجناح المسيحي فيها.
الامر الاول يتجسد بفتح قنوات التواصل المباشر مع دمشق التي كانت معزولة عربيا، على وعد بأن تكون هذه القنوات اعرض واوسع لاحقاً اذا ما نجحت القيادة السورية في اختبار حسن نيات عبر رفع وتيرة ضغطها على حلفائها في المعارضة، والتعجيل في امرار المبادرة العربية.


وفي الاطار نفسه يندرج ايضا الكلام على انجاح القمة العربية الدورية التي من المقرر ان تحتضنها دمشق في آذار المقبل.
الامر الثاني: الاقرار الضمني بحصة النصف لسوريا في القرار اللبناني من خلال الرئاستين الاولى والثالثة.
اما على المستوى الداخلي فقرأت المعارضة في طيات المبادرة العربية خصوصا في البند الثاني الذي تحدث عن اعطاء حصة راجحة للرئيس العتيد نوعا من دغدغة مشاعر الفريق المسيحي بغية فك ارتباطه بعون.


“الثلاث عشرات”

ولم يغفل الرئيس بري عن هذا الامر وذهب الى أبعد عندما ابتكر هو شخصيا “نظرية الثلاث عشرات” وهي في فحواها استعداد من المعارضة لاعطاء رئيس الجمهورية حصة اكبر مما طرحته نظريا المبادرة العربية، وتعادل حصتي الموالاة والمعارضة فيكون ذلك مدخلا لاعادة صلاحيات الرئيس التي أطاحها اتفاق الطائف ثم ممارسات فريق الأكثرية في الاعوام الثلاثة الاخيرة.


وعندما طرحت الموالاة فكرة الذهاب الى طاولة حوار كي تتهرب من التحاور مع مفوض المعارضة العماد عون، مضى الرئيس بري الى أبعد من ذلك فأبدى تجاوبا عاجلا واضاف اليه طلب ان يحضر هذه الجلسة الوزراء العرب الخمسة الذين صاغوا خطة العمل العربية كي يكون للحوار زخمه الاكبر وصدقيته الاعلى. وطبعا لا يخفى على بري ان الموالاة قد لا تتجاوب مع مثل هذا الطرح نظرا الى مقتها الشديد لرؤية وزير سوري يعود الى بيروت كي يحضر حوارا لبنانيا – لبنانيا.


وتمضي المعارضة في “استراباتها” في دوافع العرب الى ابداء حماستهم المتأخرة للتوصل الى حل للأزمة اللبنانية التي استعصت وتعمقت في السابق تحت أبصارهم وربما أحيانا برضاهم وتشجيعهم، فتقول مصادرها ان اتجاه العرب سواء برضاهم او غصبا عنهم نحو سوريا لتضغط معهم على المعارضة انما ينطوي ايضا على إحساس لدى هؤلاء بأن عامل الوقت ليس لمصلحة المعارضة، وليس لخصومها، إذ تناهت الى علمهم المعادلة السياسية – الامنية التي أرستها المعارضة طوال الفترة الماضية والتي قبضت عبرها على زمام الامور في لبنان على نحو أقعد الموالاة عن أي فعل. وتناهى الى علمهم أن المعارضة ماضية في النهج الذي اختطته في السابق وسارت عليه حتى الآن، لذا تحركوا الآن لإرجاء استحقاقات باتت في عرفهم داهمة، او تمهيدا لتحرك لاحق يكون مثمرا أكثر، خصوصا بعدما شعر هؤلاء العرب بأن الامور في لبنان يجب أن تتدارك قبل فوات الاوان.


الضغط الآتي

وعليه تستشرف دوائر المعارضة الاجواء والمناخات الآتية على وهج المبادرة العربية:
– ان الصوت العربي الرسمي سيعلو أكثر فأكثر ليصل الى ذروته، وهو يضغط لتنفيذ المبادرة بروحيتها الاصلية وتحت وطأة التهديد والتلويح بانهيار الوضع اللبناني او التلميح الى نفض اليد العربية من هذا الوضع.
– سيصل الضغط العربي الى حدود غير مطروقة سابقا، مثل تحميل المعارضة وحدها مسؤولية التعطيل، وتبعة تردي الوضع ومسؤولية مواجهة الدول العربية.


– التلويح بفتح الأبواب امام السماح بتدويل الوضع اللبناني، ما لم يتم التزام المبادرة.
– تتوقع المعارضة ان يعلو صوت الموالاة خلال هذه الفترة ليقول ان المبادرة العربية هي بمثابة القَدَر الذي لا يُردّ، وأنها ستنفذ عاجلا أم آجلا لأنها وضعت لهذه الغاية وليس كي تُناقش.
– سيشتد الضغط على سوريا، الى حد التلويح باجهاض مبكر للقمة العربية، والتلويح باعادة أسوار العزل العربي حولها، مما يسمح باعادة الحصار الدولي لها، أقله في الشكل الذي كان عليه قبل ان تطرق باريس أبواب دمشق، فاتحة معها عهدا جديدا من التواصل مع الخارج.


وبالنسبة الى المعارضة، فان كل هذه الامور تدخل نطاق تهويل لا طائل منه سبق ان خبرته وسمعت بمثله زمن المبادرة الفرنسية وقبلها عشية الاستحقاق الرئاسي، وهي تدرك تمام الادراك أنه لا يمكن أي جهة ان تفرض ارادتها على المعارضة وتجعلها تتنازل عن مطالبها وتتخلى عن ثوابتها، وتجربة العام ونيف شاهدة حية. 
    

المصدر:
النهار

خبر عاجل