
أشار رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، إلى أن “الحكومة المستقيلة أو التي اعتبرت مستقيلة لا يمكنها أن تتمثل لدى المجلس النيابي أو تمثل أمامه، بعد أن فقدت كينونتها الدستورية”، وإلى أن “الهيئة العامة للمجلس النيابي لا تنعقد في جلسة ذات صفة تشريعية، من دون حضور رئيس الحكومة وأعضائها”، وبالتالي “فلا يعقل، في ظل حكومة مستقيلة أو إعتبرت مستقيلة، أن ينفرد المجلس النيابي في ممارسة صلاحياته الدستورية كافة بصورة مطلقة وغير محددة، بالاستناد الى نص إستثنائي ورد حصرا في حالة إستقالة الحكومة أو إعتبارها مستقيلة”، معتبرا أن الأصل والغاية من العقد الاستثنائي “اسباغ الطابع الدستوري على الجلسات التي يجب أن يعقدها المجلس النيابي لمناقشة البيان الوزاري للحكومة الجديدة ونيلها الثقة”.
جاء ذلك في بيان أصدره ميقاتي، في ما يأتي نصه:
“تابعت باهتمام وقائع المؤتمر الصحافي الذي عقده دولة رئيس مجلس النواب نبيه بري بعد ظهر اليوم، وقبل الدخول في نقاش النقاط القانونية التي أوردها دولته، لا بد لي بداية من أن اثمن حرص دولة الرئيس بري، وهذا بالتأكيد حرصنا أيضا، على وضع النقاش في إطاره الدستوري والقانوني البحت، بعيدا عن أي تساجل سياسي أو إصطفافات طائفية ومذهبية، كما أوحت بذلك بعض التعليقات اليوم.
من هذا المنطلق فإن التداول في المسائل الدستورية والقانونية التي اثيرت في هذا الصدد، هو الكفيل بالمحافظة على منطق العمل في نطاق المؤسسات الدستورية.
وعليه، فإننا نرى أن قرارنا بشأن الجلسة النيابية التشريعية المقررة يوم الأثنين في الأول من شهر تموز المقبل، يستند إلى ما يلي:
إن النص الدستوري بأنه عند إستقالة الحكومة أو إعتبارها مستقيلة يصبح مجلس النواب حكما في دورة انعقاد استثنائية حتى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة، أدرج في نطاق وحدود المادة (69) من الدستور (البند 3) المتعلقة حصرا في حالة إستقالة الحكومة أو إعتبارها مستقيلة.
إن الحكومة المستقيلة أو التي اعتبرت مستقيلة تتوقف بحكم الدستور عن ممارسة صلاحياتها، باستثناء ما يدخل منها بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال، عملا بأحكام البند (2) من المادة (64) من الدستور،
وبالتالي فان الحكومة المستقيلة أو التي اعتبرت مستقيلة لا يمكنها أن تتمثل لدى المجلس النيابي أو تمثل أمامه، بعد أن فقدت كينونتها الدستورية، فهي لم تعد مسؤولة عن ممارسة صلاحيات السلطة التنفيذية المناطة بها وبرئيسها، كما أنها لن تستطيع بعد الاستقالة أن تدافع عن مشاريع القوانين المحالة من قبلها، ولا أن تبدي رأيا في إقتراحات القوانين المقدمة من النواب.
إن النظام البرلماني المعتمد في لبنان، سواء قبل الطائف، أو بعده، يقوم على مبدأ الفصل المرن بين السلطتين التشريعة والتنفيذية، أي على مبدأ التوازن والتعاون بين السلطتين. وقد كرست احكام الدستور، كما أحكام النظام الداخلي للمجلس النيابي، أصول وقواعد هذا التعاون، لاسيما في العملية التشريعية. وأن الهيئة العامة للمجلس النيابي لا تنعقد في جلسة ذات صفة تشريعية من دون حضور رئيس الحكومة وأعضائها.
من جهة ثانية، فإن الاستثناء يجب ان يفسر دائما بصورة ضيقة، وإلا لما كان المشترع الدستوري قد نص بصورة دقيقة وحصرية مثلا في المادة (33) على وجوب تحديد جدول أعمال العقد الاستثنائي، أو لما كان ربط انعقاد المجلس بصورة إستثنائية، بموجب المادة (69) في حالة إستقالة الحكومة أو إعتبارها مستقيلة.
وبالتالي، فلا يعقل، في ظل حكومة مستقيلة أو إعتبرت مستقيلة، أن ينفرد المجلس النيابي في ممارسة صلاحياته الدستورية كافة بصورة مطلقة وغير محددة، بالاستناد الى نص إستثنائي ورد حصرا في حالة إستقالة الحكومة أو إعتبارها مستقيلة.
فالأصل والغاية من هذا العقد الاستثنائي، إنما هو اسباغ الطابع الدستوري على الجلسات التي يجب أن يعقدها المجلس النيابي لمناقشة البيان الوزاري للحكومة الجديدة ونيلها الثقة.
إن ما يؤكد على المضمون الحصري والضيق للبند (3) من المادة ( 69) أن العقد الاستثنائي المفتوح بموجب هذا البند يستمر فقط حتى نيل الحكومة الثقة. فهذا العقد يبتدئ حده باستقالة الحكومة أو إعتبارها مستقيلة، وتنتهي حدوده بنيل الحكومة الثقة. ولو أراد المشترع الدستوري خلاف ذلك لكان نص صراحة على أن يمارس المجلس النيابي صلاحياته كاملة فور إستقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة.
طبعا، هذا لا يعني ان إستقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة يحول دون تأمين إستمرارية العمل في مؤسسات الدولة، التشريعية منها والتنفيذية، ولكن مبدأ استمرارية سير المرافق العامة إنما يتجلى أكثر ما يتجلى بنظرية تصريف الأعمال، وليس بانشاء قواعد تشريعية وقانونية جديدة، في ظل حكومة غير موجودة دستوريا وغير مسؤولة سياسيا.
كما أن مبدأ إستمرارية سير المرافق العامة يستوجب، اضافة للاستمرار في تصريف الأعمال، مواجهة حالات الظروف الاستثنائية وحالات الضرورة التي قد تفرض اجتماع المجلس النيابي في عقد إستثنائي لمواجهتها حفاظا على الأمن او الاستقرار او منع التعرض للاقتصاد او للحقوق الدستورية.
علما اننا في كل مرة نجد ان ثمة فائدة في الركون الى رأي قانوني، نلجأ الى استطلاع رأي هيئة التشريع والاستشارات ونلتزم به، علما أن رأي الهيئة جاء مستندا الى نصوص الدستور والنظام الداخلي للمجلس النيابي، والى الفقه والاجتهاد. إن ما يؤكد على هذا الطابع الاستثنائي أن السوابق التشريعية التي حصلت كانت، في كل واحدة منها، ذات ماهية وطبيعة خاصة إستوجبتها حالة الضرورة في اللحظة السياسية التي كان على المجلس النيابي ان يتصدى لها، في ظل وجود حكومة مستقيلة.
إننا نؤكد، كما دائما، أن استقرار وديمومة عمل المؤسسات الدستورية يتأمن بالاستمرار في التعاون الايجابي والبناء بين مختلف هذه المؤسسات. وعلى الرغم من الظروف العصيبة والطارئة التي عرفها النظام السياسي اللبناني، فقد كان حرص جميع من تولوا السلطة السياسية في لبنان، وفي أي موقع كان، على وجوب احترام المبادئ الدستورية والأصول البرلمانية التي تميز الحياة السياسية في لبنان.
وسيكون لنا، كما العادة في حكمة وتبصر دولة الرئيس نبيه بري كل الأمل في ان يستمر بقيادة الحياة البرلمانية الى ما يصون عمل المؤسسات ويحفظ موقع لبنان الديموقراطي المتقدم”.