الفراغ المخيف الذي يعيشه لبنان اليوم، بسبب شلل عدد من المؤسسات الضامنة لقيام الدولة واستمرارها، كشف في صورة لا لبس فيها ان عدم تطبيق اتفاق الطائف، تطبيقا كاملا ومتوازنا بين النص والروحية من جهة، وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية من جهة ثانية، هما سببان رئيسان لوصول الاوضاع في لبنان الى هذا المنحى البائس المستمر في التدهور حتى الوصول الى الانهيار الكامل، واذا كانت الوصاية السورية على لبنان، مسؤولة مباشرة على سوء تطبيق اتفاق الطائف في البنود التي طبقت، وفي تلك التي لم تطبق، فان عورات تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، ظهرت بوضوح في الممارسة على ارض الواقع، وخصوصا منذ العام 2005 وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وتوضحت اكثر في العامين المنصرمين، وتحديدا بعد استقالة حكومة نجيب ميقاتي، ولم يعد بالامكان انتظام الحياة السياسية في لبنان، وانتظام دوران عجلة الحكم بعيدا من اي فراغ او مطب، وتحصين الدولة المركزية من الانهيار، الا بتصويب التوأمة ما بين النص والروح، وباعادة الاعتبار الى صلاحيات رئيس الجمهورية، ليس بقصد تعزيز موقع الرئيس الماروني، بل بقصد حل العقد التي تعوق مسيرة الدولة والحياة السياسية.
ان استقالة الرئيس ميقاتي واستحالة تشكيل حكومة جديدة بعد اكثر من شهرين على تكليف تمام سلام تشكيل هذه الحكومة، بسبب شروط تعجيزية يفرضها فريق 8 اذار، كشفتا خطأ نقل بعض صلاحيات رئيس الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعا، لان هذا المجلس المعتبر مستقيلا لا يستطيع دستوريا، ان يمارس هذه الصلاحيات لانه ملزم بتسيير الاعمال في نطاقها الضيق، ما يعني ان الصلاحيات التي انيطت بمجلس الوزراء وكانت لرئيس الجمهورية ستبقى معطلة الى حين تشكيل الحكومة الجديدة، وقد بشرنا النائب محمد رعد رئيس كتلة حزب الله النيابية ان الحكومة الجديدة قد تبصر النور في شهر ايلول المقبل اذا اتفق على الاشخاص والبيان الوزاري والحقائب، وهذا الامر من المستحيلات مع الشروط المفروضة على الرئيس المكلف.
***
في مثل وضع الحكومة المستقيلة، وغياب التفاهم على حكومة بديلة، وعدم التوافق على قانون جديد للانتخابات، والقراءة المختلفة على صلاحيات كل من مجلس النواب ومجلس الوزراء المستقيل، ودور رئاسة الجمهورية في هذا المجال، ورفض ميقاتي حضور الجلسة النيابية التي دعا اليها بري، ورفضه توقيع مرسوم الدعوة الى فتح دورة استثنائية، اصبح من الواجب والضرورة الوطنية الاسراع في البحث بكيفية اعادة التوازن الى المؤسسات الدستورية لانقاذ الدولة والوطن من التعطيل الذي يصيب جميع المؤسسات، خصوصا بعد تمسك ميقاتي بموقفه وكذلك بري، واذا كان المخرج لكل هذه «الخبيصة» الدستورية هو تشكيل حكومة جديدة، فان تصريح رعد الذي يعبر عن موقف حزب الله و8 اذار، قد اغلق الباب امام التشكيل، بذلك فان الفراغ الكامل سيصبح حقيقة في شهر ايلول بعد انتهاء مدة خدمة قائد الجيش العماد جان قهوجي من دون التمديد له او التوافق على بديل، يبقى القول ان هناك نافذة امل للخروج مؤقتا من المأزق، مقتصرة على تشكيل حكومة تستطيع ان تؤمن الثقة بها في مجلس النواب، لان رئيس الجمهورية من ضمن صلاحياته الدستورية المتبقية له، على استعداد لتوقيع مرسوم تشكيل الحكومة التي يقدمها سلام او غيره، بشرط تأمين ثقة اكثرية نواب المجلس لهذه الحكومة، وهذا يعني ان الكرة الان في ملعب الرئيس المكلف ليضع تشكيلته ويؤمن لها الثقة، ويرفعها الى الرئيس سليمان.