كلام الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس عن “المقاومة العسكرية” بوصفها نهجاً تدميرياً وعبثياً لفلسطين دليل على جرأة ونضج سياسيّين قلّ نظيرهما في لبنان والعالم العربي. فالرئيس الفلسطيني لا يسمح لأحد بوضعه في خانة الدفاع عن النفس أو المتهم لرفضه المقاومة، بل يضع الآخرين في موقع الشبهة والشك ويحمّلهم مسؤولية ما لحق بالقضية الفلسطينية من جرّاء إصرار البعض على هذا العنوان المشبوه والمكشوف الذي جعل أسمى قضية ورقة بيد قوى الشر الإقليمية التي تريد المتاجرة بدماء الفلسطينيّين لمصالحها التوسّعية وأغراضها التفاوضية وأهدافها الذاتية.
فالشعوب تعتمد خيارات في مراحل معيّنة من تاريخها، وهذه الخيارات قد تخطئ أو تصيب، وهذا أمر بديهي، إنما الإصرار على نفس الخيارات على رغم كارثيتها يعبّر إمّا عن تخلّف أو إمعان في التنازل عن القرار الوطني لمصلحة قوى خارجية وأخرى داخلية لها حساباتها الصغيرة والضيقة. فالمقاومة الفلسطينية جُرّبت من الخارج والداخل، وكان لها ظروفها وربما، مبرّراتها، ولكن بمعزل عمّا آلت إليه، إلا أنها صفحة وانطوت، والشعوب الحيّة هي التي تتّعظ من تجاربها، وتؤسّس وتراكم على هذه التجارب بغية الانتقال إلى مرحلة جديدة، هذه المرحلة التي أوصلتها إلى اعتماد المقاومة السلمية التي وضعت إسرائيل في موقع الدفاع، وجعلت العالم يلتف للمرة الأولى بهذا الحجم إلى جانب القضية الفلسطينية، وساهمت بتحقيق اختراقات مهمّة ليس آخرها الاعتراف بفلسطين كدولة مراقب في الأمم المتحدة.
وفي القضايا المبدئية والجوهرية لا وجود لأنصاف الحلول، فإمّا حرّية أو لا حرّية، وإمّا مقاومة أو لا مقاومة، لأنّ أي خلط أو التباس وعدم وضوح من قبيل مقولة “إمساك غصن الزيتون بيد والبندقية بالأخرى” يؤدي إلى تبرير منطق البندقية واستخدامها عشوائياً عند كلّ عرقلة وتعقيد، ولا بل يدفع الخصم إلى جر أصحاب هذا المنطق الملتبس إلى التخلّي عن الخيارات السلمية واعتماد الأساليب العنفية تبريراً لسياساته وارتكاباته. وبما أنّ المقاومة أثبتت فشلها وعقمها وإمكانية استغلالها وتوظيفها، يصبح التمسّك بالمقاومة السلمية هو الخيار الوحيد لإعادة الحقوق المسلوبة. وهذه المقاومة بالذات هي التي تزعج إسرائيل، كونها تعطي للقضية الفلسطينية مشروعية حتى داخل إسرائيل واللوبي اليهودي.
وفي سياق متصل ذكّر عبّاس بحرب غزة 2007-2008 التي لم تقتصر نتائجها العسكرية على تدمير كلّ شيء، إنما جاءت نتيجتها السياسية أسوأ بكثير عندما اضطرت “حماس” إلى التوقيع على اتفاق للتهدئة مع إسرائيل برعاية مصرية يعتبر أنّ “العمل المسلّح عدائي”، ما جعل عملياً الكارثة مزدوجة، فلا كانت مضطرة “حماس” الدخول في مغامرة عسكرية تدمّر فيها غزة، ولا التوقيع لاحقاً على اتفاق إذعان تدين فيها نفسها.
وإذا كان عبّاس يرفض تعميم وجهة نظره على سائر المقاومات التزاماً منه بعدم التدخّل في شؤون الآخرين، فما حصل في غزة ينطبق على الحرب التي سبقتها في تموز 2006 والتي أيضاً دمّرت لبنان ودفعت “حزب الله” إلى التوقيع على القرار 1701 الذي يعترف فيه بهجومه على إسرائيل وتسبّبه بوقوع مئات القتلى والجرحى من كلا الجانبين وإلحاق أضرار جسيمة بالهياكل المدنية…
لا إمكانية لمواجهة منطق المقاومات الهدّام إلا باعتماد وضوح “أبو مازن” وجرأته. ونأمل أن تشكّل زيارته إلى لبنان عدوى للقوى السياسية وفي طليعتها 14 آذار من أجل إزالة أي التباس وتخاذل في مواقفها من مقاومة “حزب الله” بتأكيد رفضها هذه المقاومة التدميرية والهدّامة.
