كلمات الإستنكار قد تكفي، وإن كانت “الإدانة لا تكفي” برأيه. هكذا يتمّ التخلّص من كارثة وقعت في لبنان لينتقل الجنرال بعدها الى “لازمة الثلاثائيات” التي تعزف على وتر التحريض القديم الجديد، لكن الفارق اليوم أنه ليس قائدا للجيش! “نشهد حملات تشهير بالجيش” يقول الجنرال ويتابع “نعترض على قرار إدارة الجيش بإرسال 5 ضباط وعسكريين الى المحكمة العسكرية”، وهو دليل على أنه لم يستطع حتى اليوم أن يقتنع بأن حلفاءه لا يريدون تعيين صهره قائداً للجيش، وأنه لن يتمكن من التدخل في قرارات الإدارة ليطلق أحكامه ويُلزم بها الجميع.
إذاً أدى الجنرال واجب الإستنكار، ولم تتمكن المعاناة الكارثية التي نتجت عن التفجير من إعادة ربط “حبل الصرّة”، فعون ما زال غير مقتنع بالتمديد لقائد الجيش الحالي العماد جان قهوجي، ومن هنا يحقّ له أن ينتقد كل القرارات المرتبطة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بقيادة الجيش اللبناني. وعلى هذه الحال، فإن قيادة الجيش بنظره ستكون دوما على خطأ، وتكون نظرته هي الصائبة، هذا فضلا عن رأي حلفائه الذين يقتنع بكلامهم لمجرّد تبرير أفعالهم. قيادة الجيش مخطئة في نظره، لكن تبرير من يخطّئون هذه القيادة لمقتل الضابط سامر حنا هو المقنع وهو الصائب لأن الشهيد الطيار قتل “عن طريق الخطأ” والصحيح القول “ماذا كان يفعل الجيش اللبناني فوق (اي في سُجُد)؟”.
وإن كانت لهجة الخطاب بالأمس أقل قساوة مما سبقه من تصريحات، إلا أن الجنرال يصف الخطابات من حوله بـ”التفجيرية” وعلّق على خطابات السياسيين قائلا “يجب الانتباه أكثر ونأمل ان يخرس المحرضون، بزماني لم أتعرض لأحد بسبب خطابه السياسي لأن ما إلي جلادة ولكن الآن سأهاجم المجرمين!” لكن الواقع لا يدلّ على ان الجنرال “ما إلو جلادة”، فهو في كل مرة يطلّ فيها يصاب “بكريزة” هجوم على كل السياسيين الذين لا يجارونه الرأي، وقد شنّ مؤخرا حملة على حلفائه لأنهم يرفضون أن يلبّوا مطالبه.. ومن الجيد أن التكنولوجيا اليوم يمكنها إعادة بث الأشرطة التي كان فيها شهداء قوى 14 آذار هم الضحية إن كان قبل استشهادهم أم بعده، وإن لم يكن من صاحب الدار في الرابيه فمن أحد زواره محرّضا من على منبره!
وقد تكون لغة الشتائم التي طالت كل خصوم الجنرال والكلام التحريضي أكثر الأدلة قاطعة على “التعرض للسياسيين”، أما وإن قرر الجنرال اليوم أن “يهاجم المجرمين” فإن عددا منهم يقاتل الشعب السوري في سوريا، وبعضهم كان يحرّض في صيدا قبل أحداث عبرا، وآخرون ذكرت المحكمة الدولية أسماءهم، وآخر ومنهم من يختبئ بعدما أدرك أنه من الصعب “استبداله” بمجرم آخر، وآخر برز على الكاميرات بعد التفجير الذي طال منطقة الأشرفية حين استشهد اللواء وسام الحسن.. أيّاً من هؤلاء يريد الجنرال أن يهاجم؟ أم هؤلاء مترفّعون عن الإجرام لأن من يقصد بكلامه هم قوى 14 آذار؟
صدق الجنرال، فهو لم يهاجم قوى 14 آذار مرة قبل اليوم، إلا أنه هاجم كل السياسيين بالجملة ومعهم الجيش اللبناني حين قال لهم مباشرة على الهواء بالصوت والصورة “شو هالسياسيين الطزّ وشو هالشعب الطزّ هول”.. إنه ليس هجوما، فهل هو دلع؟ في أي حال فقد قرر أن يهاجمهم وقد أعلن الحرب عليهم، و”يا ويلهم وسواد ليلهم” كم سيكون الهجوم قاسيا ومخيفا، على أساس أنهم لم يعتادوا على هجومه ولغة الشتائم المعهودة.
ربما قصد الجنرال من كلامه حول الهجوم، أنه على السياسيين أن يتوقعوا نوعا آخر من الهجوم وبالطبع سيكون أسوأ إذا ما اعتبرنا أنه سيتدرّج من السيئ الى الأسوأ.. فماذا هناك إذاً أسوأ من التحريض والشتم ومشروع قانون “اللقاء الأرثوذكسي” وتبرير ما يقوم به حَمَلَة السلاح غير الشرعي، وازدواجية الدفاع عن الجيش وسلاحه الشرعي و”حزب الله” وسلاحه القاتل، وازدواجية “حرب الإلغاء” ضد “القوات اللبنانية” و”ورقة التفاهم” مع “حزب الله”؟ وما هو الأسوأ من التقليل من شأن السياسيين ومن قيمة الشعب؟ وما هو الأسوأ من “هونيك شغلة” وماذا سيكون الأسوأ يا ترى من السيئ؟ “الثلاثائيات” المقبلة الى ناظرها قريبة!