كلما صاح الديك
يوم عاود "نهار الشباب" صدوره عقب استشهاد مؤسسه جبران تويني، كانت رسالته الصارمة والحازمة التزام الرسالة الصحافية، والمبادئ التي أرساها واتبعها في "النهار" و "نهار الشباب".
وأمام الهجمة التي طالت "النهار" اخيراً لا يملك "نهار الشباب" إلا أن يؤكد تعهده المستمر رسالة "النهار"، كما رآها جبران تويني في افتتاحية كتبها في 7/8/2003 بعنوان "كلما صاح الديك" وهي تشكل الجواب القاطع على كل افتراء وتهجم وتضليل.
في 4 آب 1933، أسس جبران تويني جريدة "النهار". يومذاك لم يكن لبنان قد نال استقلاله بعد، واعتبر جبران تويني أن "النهار"، تماماً ككل صحيفة حرة ومستقلة، لها دور أساسي في معركة الاستقلال ومعركة ما بعد الاستقلال، معركة بناء الوطن والمجتمع وتحصينهما.
كان لجبران تويني حلم ورسالة عمل على أساسهما طوال حياته الصحافية السياسية، معتبراً ان الرسالة الصحافية لا تُختصر بعمر إنسان، بل تتخطى الشخص وتستمر عبر المؤسسة الصحافية…
… وعلى هذا الأساس اعتبر أن المؤسسة الصحافية ذات الرسالة الواضحة لا يمكن أن يكون عمرها مرتبطاً فقط بعمر مؤسسها، او مرتبطاً بعمر من يشرف عليها، بل اعتبر، وعن حق، ان كل من اشرف عليها كان مؤتمناً على تنفيذ الرسالة من اجل الوصول الى الهدف، هدف خدمة الحرية والحقيقة والإنسان والوطن من اجل التطور الذي لا يتوقف.
… وعلى هذا الأساس، كتب جبران تويني يوم غادر لبنان الى "المنفى"، إلى الأرجنتين حيث عيّن سفيراً، رسالة الى ابنه وليد، ترسم بوضوح سياسة "النهار"، وكانت بمنزلة الوصية، وكأن جبران تويني كان يعرف انه لن يعود من المنفى وان "النهار" يجب ان تستمر وتدوم حتى بعد غيابه من اجل هذه الرسالة المقدسة، من اجل لبنان والحرية في لبنان ودور لبنان الريادي في العالم والعالم العربي.
كتب جبران تويني آنذاك:
""النهار" جريدة لبنانية عربية، تدافع عن لبنان واستقلاله بكل ما فيها من قوة. واذا اختلف لبنان مع اية دولة عربية او غربية كانت معه بدون تردد ولا تحيز…
سياستها لا طائفية. فهي وطنية تحلّق فوق الطوائف وتدعو الى إحلال الرابطة الوطنية اللبنانية محل الطائفية المذهبية في كل المسائل العامة…
نحن لا نعادي الأجانب عن تعصب أعمى، لأننا لا ننكر ان للأجانب فضلا على البلاد، ولكننا لا نريد ان يؤدي هذا الإقرار بالفضل الى تذويب شخصيتنا، وإضاعة استقلالنا، والقضاء على كياننا. فنحن نحارب كل تدخل أجنبي في شؤوننا، أيا كان لونه، وإذا وجدنا ان معونة الأجنبي ضرورية لصون استقلالنا، اخترنا اقل الأجانب ضررا بنا، وأبعدهم عن ابتلاعنا.
على إننا في ميدان الثقافة نحب أن يظل لبنان ذا طابع ثقافي تقدمي، فلا ينكر كل ما يأتينا من الغرب من فنون جميلة وعلوم حديثة وآداب رفيعة، على شرط ان ندنيه من إفهامنا ونقرّبه من إدراكنا اللبناني العربي، ونضمه ضماً صحيحاً لا اثر فيه للقشور، بل يعتمد على اللباب.
للبنان في العالم العربي مركز خاص، ولكنه غير شاذ، بل يجب ان ينسجم مع المجموعة العربية. وكما اننا لا نقرّ الانحراف مع الثقافة الإسلامية (التي اشترك في تكوينها مسلمون من كل الأمم) فنحن لا نقرّ الانحراف مع الثقافة المخضرمة الشعوبية، فنحن نأخذ من الغرب كل خير نافع، لنتمثله ونضمه ضمن النطاق الثقافي العربي، ونكوّن للبنان ثقافة يتميز بها عن بقية الأقطار العربية مع بقائه ضمن مجموعتها، أي أن يكون في الطليعة، من غير ان يشذّ عنها. لأنه القطر الوحيد بين الأقطار العربية الذي يستطيع ان يوجد لنفسه وللعالم العربي ثقافة محررة من قيود الماضي وما يتخللها من خرافات الصقها به الجهل او التعصب. فنحن لا نريد ان نكون متعصبين لماضينا تعصباً أعمى، بل تعصباً واعياً نيّراً.
"النهار" ديموقراطية. نحن ديموقراطيون لأننا ضد كل استبداد في الحكم او في الفكر. ولكن الديموقراطية ليس معناها "الإباحية"، بل معناها مزاولة الحرية ضمن حدود السلطة الواجبة للمحافظة على كل كيان يريد البقاء حراً يتنفس تنفساً طبيعياً، يفسح المجال لكل الآراء والمذاهب الفلسفية، ويحترمها احتراماً معقولاً.
فنحن نحترم، وندافع عن النظام الديموقراطي، على شرط ان يظل ضمن الشورى. أما إذا هو خرج عن هذه الحدود فلا نرضى ان ينحرف الى شيوعية متطرفة، ولا الى استبداد جماعة او فرد بالمجموع اللبناني، لأن الديموقراطية تحترم كل الآراء ولكنها تأبى ان يستبد واحدها بالآخر…".
… هذه هي وصية جبران تويني لابنه وليد، بل لكل من ساهم في صنع "النهار" وعلى رأسهم غسان تويني الموجود دائماً وابداً في قلب "النهار"، وصية ترسم سياسة واضحة احترمتها "النهار" طوال سبعين عاماً لا لتكون وفية لمن أسسها فحسب، بل وفية لرسالتها ولاقتناعها بان هذا الخط السياسي بالذات هو السبيل الوحيد لبناء وطن حر متطور وعصري.
وعلى هذا الأساس أيها القارىء، كانت "النهار" وما زالت تعارض وتناضل، لا تهادن، وتدافع بكل قوة عن الحريات العامة وعن الإنسان وعن الأرض، كانت "النهار" تُتهم وتُحاكم وتُلاحق، وما زالت، وكان العاملون فيها يتحملون كل أنواع الضغط وما زالوا.
سياسة "النهار" واضحة كـ"وضح النهار" (عنوان زاوية جبران تويني في "النهار")… وستبقى واضحة وثابتة ومستمرة لسبعين عاماً ولمئة عام ولأجل غير مسمى، الى جانب الوطن والقارئ، تدافع عن قضاياه، ترافق العصر، تتطور معه، بل تساهم في تطويره، تتكلم لغته، تتحرك، تقلب الطاولات، تحلم، تصرخ، تفرح وتحزن، ترفض اليأس والاستسلام، ترفض التحجر ولكنها تتمسك بمبادئها وبرسالتها…
… عمرها من عمر الإيمان بالروح الأبدية، لا من عمر الإنسان، لذلك لا عمر لها!
عمر "النهار" اليوم سبعون عاماً، سبعون عاماً من النضال المستمر من اجل حرية الإنسان وحرية الأرض…
… وبعد سبعين عاماً تبقى الغصة في قلوبنا بسبب واقع وطننا الأليم، ويبقى وعدنا واحداً، وهو اننا سنبقى نعمل من اجل تكريس الحرية وتثبيت الديموقراطية واسترجاع السيادة والقرار الحر وتحصين الاستقلال وتفعيل دور لبنان في العالم حتى آخر نقطة حبر في قلوبنا وآخر نقطة دم في أقلامنا…
… معلنةً الحرية كلما صاح الديك!