أدخل تفجير بئر العبد لبنان في مفترق أمني خطير، تبقى المعالجات الشكلية لتداعياته من دون جدوى في ظلّ الانكشاف الأمني الواسع في الداخل، وإصرار البعض على المكابرة والمغامرة بالبلد وأمنه، وفي ظلّ تشريع الحدود أمام تدخل تنظيمات خارجية لها مصلحة كبرى في نقل اللعبة الأمنية الى الساحة اللبنانية، عبر الرسائل المفخخة، على غرار رسالة الضاحية الجنوبية.
في هذا الوقت، تتقاطع معلومات أمنية عند خطورة الوضع اللبناني على المستويين المرحلي والاستراتيجي، في ظل غياب المعالجات السياسية ووضع حدّ لتورط قوى لبنانية في الصراع السوري، لا سيما اعتراف “حزب الله” ومجاهرته بدخوله المعركة السورية بكل ثقله العسكري، وهو ما يدفع البلد بسرعة الى الإنفجار المحتوم، سواء بالسيارات المفخخة أو بعمليات اغتيال محتملة، وهو يضع لبنان على شفير بركان، لا يدع فريقاً أو منطقة أو فئة بمنأى عن التفجيرات والاغتيالات.
هذه المحاذير تأتي بعد معلومات تلقتها السلطات اللبنانية تفيد بأن الأمن اللبناني قابل للتفجير في أي وقت، وهذه المعلومات تتحدث عن عناصر تابعة لتنظيمات متطرفة، لديها بنك أهداف في لبنان، وهي بدأت العمل لتنفيذه، ولم تستبعد مصادر مطلعة “أن يكون تفجير الضاحية الجنوبية أحد أهدافها، أو هي رسالة على المعنيين قراءتها جيداً وتفكيك شيفرتها، قبل أن تنفجر رسالة مماثلة في مكان آخر”.
في هذا الوقت، أوضح المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي لـ”المستقبل”، أن “الوضع السوري ينعكس مباشرة على الوضع الأمني في لبنان سواء في الأمور اليومية من خلال ارتفاع نسبة الأعمال الجرمية، أو على المستوى الاستراتيجي البالغ الخطورة”. وقال ريفي: “عندما يعلن “حزب الله” الجهاد في سوريا، عليه أن يتوقع جهاداً مضاداً، وأن يدرك أنه لا يستطيع أن يتحكم بمفاصل اللعبة لوحده، لأن الطرف الآخر سيفكر عندها بنقل المعركة الى لبنان، خصوصاً أنه لا حواجز ولا حدود ولا بحار أو محيطات بين لبنان وسوريا، ولأن حدودنا مع سوريا وهمية، وهي لا تعوق دخول مجموعات متطرفة من سوريا، لتحول لبنان الى أرض جهاد”.
أضاف: “هذه المعلومات أبلغتها قبل حوالى أربعة أشهر وقبيل إحالتي بأيام على التقاعد، الى اللجنة الوزارية لشؤون النازحين السوريين، بحضور فخامة رئيس الجمهورية (ميشال سليمان) ودولة الرئيس (المستقيل نجيب ميقاتي) وعدد من الوزراء بينهم وزراء من الثامن من آذار، وأطلعناهم على معلومات أمنية محلية وإقليمية ودولية، تحذّر من التخطيط لعمليات أمنية وتحضير سيارات مفخخة، يتحيّن القائمون عليها الوقت المناسب لتحديد ساعة الصفر لتنفيذها، وقلنا إن الوضع يحتاج الى معالجة سريعة في السياسة وفي الأمن، قبل أن تفلت الأمور وتصبح عصية على المعالجة”.
وتوقع ريفي أن “تكون الأمور تطورت وأخذت منحى أكثر خطورة وتعقيداً بعد سقوط القصير، وتمدد جهاد “حزب الله” الى حمص وحلب ودمشق وغيرها من المناطق السورية، والآن لم أعد أعرف أين وصلت الأمور لأني لم أعد متابعاً لها، لكن في القراءة الأمنية، فإن الوضع يبدو معقداً وبالغ الصعوبة، ما لم يُتخذ قرار سياسي بتحصين الساحة الداخلية، وإقناع “حزب الله” بالانسحاب من سوريا”. وشدد على أنه “إذا لم نتدارك الأمور سريعاً، فإننا نسير بإرادتنا الى الخراب وهذا ما يجب أن يقرأه “حزب الله” إذا كان يعنيه البلد وأمنه واستقراره”.
في المقابل أكد مصدر أمني لـ”المستقبل”، أن “لبنان يواجه تحديات أمنية بالغة الصعوبة، تحتاج الى جهود وطاقات كبيرة لمواجهتها أو الحد من أضرارها”. ولفت الى أن “الأجهزة الأمنية تأخذ التهديدات التي وجهتها بعض المجموعات رداً على تدخل “حزب الله” في الحرب السورية على محمل الجدّ، وهي تتخذ أقصى الاحتياطات الواجب اتخاذها، لكن هذا لا يعني أن الجيش وباقي الأجهزة الأمنية بقدراتهم المحدودة قادرين على ضبط الأمور”، واصفاً المرحلة الحالية بأنها “ضبابية” وغير واضحة الأفق”. ولم يستبعد المصدر أن “يكون تفجير بئر العبد، وما سبقه من أحداث في صيدا وطرابلس هي من تداعيات الأحداث السورية”، لافتاً الى أن “المطلوب في هذه المرحلة استقرار سياسي وتوافق بين كل القوى السياسية على التهدئة والبحث عن مخارج تساعد على الحدّ من هذه الأخطار التي هي نتيجة حتمية للصراع السوري، وتسهم في تخطي البلد هذه المرحلة المضطربة”.