على خطى صليات انفلات الغرائز البشرية ووقع اقدام زخات الدم في وطن امارة الغساسنة السريان ومرقد عنزة تغلب “ولو تأخر الاسلام لأكلت تغلب العرب”، تشكلت قيادة قطرية جديدة لحزب البعث منذ تشكل هذا الحزب عام 1947 على يد الارثوذكسي الشامي ميشال عفلق وزميله المسلم السني الدمشقي الآخر صلاح الدين البيطار. وعفلق اساسا خريج جامعة السوربون في مادة التاريخ عاد الى عاصمته عام 1933 ليكتب السورياليات والدادائيات الشعرية الصوفية الغامضة على طريقة الحلاّج وجلال الدين الرومي متأثرا بينرفانا الجمالية عند تريستان تزارا وبول ايلوار ولوي اراغون ومغناطيسية شعراء تكسير البيت الشعري الالكسندري الاوروبي. عام 1934 اشترك ميشال عفلق في اول مؤتمر للمثقفين العرب المنعقد في زحلة الى جانب بعض الشيوعيين مثل يوسف خطار الحلو وسليم خياطة واضع بيان المؤتمر ومقرراته التي ما زالت “طازجة” حتى اليوم (حدث هذا قبل ان يتعرض المفكر الطرابلسي سليم خياطة للضرب على رأسه من قبل الامن الفرنسي فخولط في عقله) وصدرت عن المؤتمر مجلة “الطليعة” الماركسية التي كتب فيها عفلق. في هذه الفترة طرق عفلق باب الحزب الشيوعي طالبا العضوية، لكن الدمشقي الآخر الكردي من عشيرة قوطرش خالد بكداش رفضه، مما انبت حقدا على الشيوعيين في نوابض عفلق ابن حي الميدان، ولما اسس “حركة البعث العربي” بعد “شباب الاحياء العربي” جاء في رأس اهداف الحركة “محاربة الشيوعية الملحدة”. ولم يتسن للحزب الانغراز في شعبية واسعة الا حين الاندماج بين حركته والحزب الاشتراكي لمؤسسه ثعلب السياسة السورية أكرم الحوراني في منطقة حماه، حيث تمتع هذا المشاكل بحيثية فلاحية كبرى، علما ان زكي الارسوزي ابن سنجق الاسكندرون اتهمهما بسرقة كلمة “البعث” منه، كان عفلق ايديولوجيا سطحيا، اما صلاح الدين البيطار فأعمق منه، وهذه العلاقة المترنحة بالفكر العربي جعلته يربط بين “العروبة والاسلام” من دون ان يفقه ايديولوجيو البعث ان “مفهوم العروبة” كان مسيطرا في الجزيرة العربية قبل نزول النبوة، وكان شاعر المعلقات زهير بن ابي سلمى الى الشاعر امية بن ابي الصلت من المبشرين بالحنيفية التوحيدية وتحريم الخمور. وكان هؤلاء يكرمون نهار الجمعة ويدعونه “نهار العروبة”. بنى عفلق كل ايديولوجيته البعثية على مفهوم عروبي ضبابي، ولم يكن علمانيا، حتى انه اعتنق الاسلام، لكن ايجابيته الوطنية انه لم يتصل بالصهاينة وتحديدا وايزمان على غرار شكري القوتلي وفخري البارودي وجميل مردم وسعدالله الجابري ولطفي الحفار، وذلك لأن حلقة زكي الارسوزي القومية تركت تأثيرها على البعث حتى الستينيات حين بدأ العسكر ينتفض بعضه على بعض باسم القومية حينا وتحت لافتة اليسار تارة اخرى، وهم لا يفهمون شيئا من جوهر الفكر اليساري، كما فعل صلاح جديد، وأظنه هو سبب تخلف سوريا سياسياً واقتصادياً وديموقراطياً وعسكرياً قبل أن يستأصل شأفته الفريق حافظ الأسد.
وصل الدكتور بشار الاسد الى السلطة عاريا من تاريخ البعث ولا يملك شيئا الا شهادة طب عيون من المفروض ان “تودي لبعيد” كعيني زرقاء اليمامة، وبعض تجارب والده المحنك والقادر. والسؤال: ما الذي يربط حاضر البعث بتاريخه؟ صحيح، هناك بعض الرموز المضيئة في تاريخ الحزب الغابر مثل الطبيب وهيب الغانم الذي مرّ كنيزك في هذا الحزب وكان يطبب الناس مجانا على طريقة الدكتور الشهير شهيد الخوري او الدكتور رشيد معتوق البتروني عندنا في لبنان. القيادة القطرية الجديدة لحزب البعث ولدت بعملية قيصرية ولا يكفي نعتها بالشبابية، اذ كان عليها برئاسة بشار الاسد ان تصدر تقريرا مسهبا وموسعا عن احوال الامة السورية والعربية، وتقول لنا لماذا واجهت السلطة الامنية بعقل ستاليني بداية الحراك الشعبي 15 آذار 2011 وهو عبارة عن كتلة شعبية واسعة تحت لافتة الخبز والملح بالرصاص والقسوة والقمع. كان المفروض ان تخنق الاحداث في مهدها الدرعوي وتستجيب السلطات كل المطالب الشعبية، كما فعلت اخيرا رئيسة البرازيل ديلما روسيف. واتمنى على القيادة البعثية الجديدة اطلاق حرية التعبير الثقافي والفكري قبل السياسي، تماما كما اطلقتم حرية الاقتصاد النيوليبرالي كرد فعل على قيود التأميمات المسرفة في توحشها التي قام بها صلاح جديد. وأتمنى على القيادة الجديدة احترام مركز الرئاسة الاولى اللبنانية المعقود اللواء لفخامة العروبي ميشال سليمان الذي يختزن طاقات تقدير للنظام السوري، وكلبناني متواضع اتقدم بشكوى امام القيادة الحزبية الجديدة على كل لبناني موال للنظام السوري.
ولكي تكون هناك قيادة جديدة فاعلة المطلوب منها اصدار مانيفستو ايديولوجي يتناول تقويم المرحلة الماضية واستشرافها المستقبلي لأمة هائلة الحجم تسير عبر التاريخ مترنحة كالمخمور في حالة تهافت التهافت، صنع امجادها رجال نسيناهم من ابن رشد الى ابن طفيل الى الماركسي المبكر ابن خلدون في النبوة الى الامام علي القائل: “انت اخي في الانسانية قبل ان تكون أخي في الدين”.