#adsense

دماء شهداء الجيش في البحصاص مسؤولية باسيل

حجم الخط

الدفاع عن الحريات العامة عنوان كاذب لإخفاء "جريمة" إعاقة عمل الأجهزة الأمنية:
دماء شهداء الجيش في البحصاص مسؤولية باسيل!

لم يكن فريق 14 آذار راغباً بأن تذهب وزارة الاتصالات إلى فريق العماد ميشال عون. التوجس من خطوة كهذه ظل محل أخذ ورد حتى الساعات الأخيرة، ولكن حكومة "الوفاق الوطني" التي أعقبت اتفاق الدوحة "فرضت" أمراً كهذا. ثمة من تنبأ بخلافٍ سينشأ بين الأجهزة الأمنية والوزير الجديد انطلاقاً من المواقف العدائية المعلنة من العماد عون وفريقه تجاه قوى الأمن الداخلي تحديداً. وثمة من تخوّف من تسرّب أو إعاقة معلومات حساسة ذات صلة بالتحقيق الدولي. وكلا الفريقين كان محقاً على ما يتكشف من وقائع. فبعد أقل من أسبوعين على تسلّم الوزير جبران باسيل وزارة الاتصالات أصدر قراراً يمنع بموجبه تزويد قوى الأمن الداخلي بقاعدة البيانات المتعلقة بالاتصالات، التي كانت تحصل عليها، وفق القانون، وبعد موافقة مدعي عام التمييز. أي أن باسيل منع المعلومات خلافاً لإرادة السلطة صاحبة الصلاحية في الأمر.

ثمة مسألة تحتاج إلى توضيح في معرض شرح خطورة ما قام به جبران باسيل. فالخلاف بين قوى الأمن الداخلي والوزير، لم يكن حول التنصت، وإنما حول قاعدة البيانات العائدة للاتصالات الهاتفية، والفرق بين الأمرين كبير، لأن ما تطلبه قوى الأمن الداخلي، ليس مضمون المخابرات، وإنما حركة الاتصالات من وإلى رقم محدد، لتسهيل عملها في القيام بواجبها في حماية المواطنين، ذلك أن قاعدة البيانات لا تتضمن تسجيلات صوتية للمحادثات الهاتفية، ولا تتعرض لحريات الناس، كما أن القانون رقم 140/99 لا يمنع الحصول على قاعدة البيانات، التي تثبت أهميتها في كشف الكثير من الجرائم، لا سيما أن الأمر يجري بموجب إذن قضائي.

دماء شهداء الجيش برقبة من؟!

بتاريخ 13 آب الماضي وقعت حادثة تفجير باص يقل جنوداً للجيش اللبناني في طرابلس. أسفر الهجوم الإرهابي عن 13 شهيداً و50 جريحاً. ثمة شبهات كانت تحوم حول بعض الأشخاص، وكان يلزم التأكد من حركة الاتصالات بين هؤلاء الأشخاص لتقدّم التحقيق. طلب اللواء أشرف ريفي قاعدة البيانات الهاتفية من وزير الاتصالات، لكن الأخير تجاهل الطلب، ولما ألح ريفي مستنداً إلى إذن قضائي، وإلى دعم مرجعيات سياسية كان قد اتصل بها لشرح المسألة، أصدر الوزير باسيل قراراً يمنع بموجبه تزويد قوى الأمن الداخلي بقاعدة البيانات، قاطعاً الطريق على ريفي، المُطالـَب أمام الحكومة والناس بنتائج عملية تتعلق بأمنهم!. بعد عشرة أيام من قرار الوزير باسيل وقعت جريمة اغتيال الشيخ صالح العريضي. ظن ريفي أن الجريمة يمكن أن تغيّر من قرار الوزير، لا سيما أن العماد عون كان يرفع صوته أمام الصحافيين منتقداً تقصير الأجهزة الأمنية، لكن جبران باسيل ركب رأسه!.

بتاريخ 29 أيلول الماضي وقعت جريمة تفجير الباص الثاني في محلة البحصاص في طرابلس، وقد أسفرت عن 6 شهداء و26 جريحاً من الجيش اللبناني. كان واضحاً أن الخلية المشتبه بها نفسها هي التي قامت بالعملية، ولم يكن ينقص سوى ربط عدد من المكالمات الهاتفية ببعضها لحل هذا اللغز، لكن الوزير باسيل ركب رأسه مجدداً!.

وصل الغضب لدى الفريق الأمني المتابع للجريمة حدوده القصوى، وبعد استنفاد الطرق القانونية في طلب البيانات الهاتفية، تحرّك اللواء أشرف ريفي باتجاه المرجعيات السياسية لشرح الوضع. عندها اضطر الوزير مكرهاً للإفراج عن قاعدة البيانات المطلوبة. وبعد عشرة أيام فقط تمكّنت قوى الأمن الداخلي، وبالتعاون مع مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، من كشف وتوقيف أغلب أعضاء الشبكة الإرهابية التي كان يتزعمها عبد الغني جوهر. التحقيقات مع الشبكة المذكورة كشفت أمراً مذهلاً، ذلك أن الشبكة نفسها كانت على وشك تنفيذ هجوم ضد الجيش اللبناني بعبوة متفجرة تبلغ ضعفي العبوتين السابقيتن، وقد اختارت هذه المرة، منطقة ذات غالبية مسيحية لتنفيذ هجومها الثالث، بقصد إثارة النعرات الطائفية!.

فضيحة أم جريمة؟!

بعد "تكرّم" الوزير باسيل بالإفراج عن البيانات الهاتفية، وبعدما أثبتت النتائج بالدليل القاطع صحة الربط بين الحصول على هذه البيانات من جهة وتقدم التحقيق وحماية أمن الناس من جهة أخرى، ظن المدير العام لقوى الأمن الداخلي أن "جريمة" الوزير باسيل بحق اللبنانيين والجيش اللبناني، كافية ليرعوي عن ممارساته اللامسؤولة، إلا أنه فوجئ أن الوزير عاد مجدداً لمنع تسليم قاعدة البيانات اعتباراً من التاسع عشر من شهر كانون الثاني الماضي. عندها تفجر بركان الغضب من ممارسات باسيل، وانتقل الموضوع ليصبح مادة تجاذب بين فريقي 8 و14 آذار، حكومياً، ونيابياً، وسياسياً، وإعلامياً، وقد استنفر خلالها "حزب الله" والعماد عون ماكيناتهم الإعلامية، من أجل التهجم على قوى الأمن الداخلي، متهمين فرع المعلومات بالتنصت لصالح سفارات أجنبية، على جري عادتهم في التخوين. أما الوزير جبران باسيل فحاول التلطي بشعار حماية الحريات العامة من التنصت غير الشرعي، مدّعياً أن الحملة عليه سياسية من قبل فريق 14 آذار!، على الرغم من أن هذا الفريق سكت عن استهتاره بحياة الناس، قرابة أربعة أشهر، ثم اكتفى بتسوية أعاد باسيل بموجبها تزويد الأجهزة الأمنية بالمعلومات المطلوبة، وفق آلية معينة، بعد الاجتماع الأخير في السرايا!. ولعلنا لو كنا في بلد غير لبنان لقلنا إن ممارسات جبران باسيل هذه تعتبر جريمة تستحق الإقالة والمحاكمة، ولكننا في لبنان، حيث يمكن لباسيل وأضرابه أن يصبحوا وزراء، وأن ينبري من يهدد دفاعاً عنهم بقطع الأيدي والألسن، وأن يكتب الصحافيون الحاقدون عن إنجازات الوزير العظيم!.

التنصت والتنصت المضاد

… وإذا كان الشق المتعلق بقاعدة البيانات هذا حاله، فماذا عن الشق المتعلق بالتنصت على مضمون المكالمات؟ لقد ادعى الوزير باسيل أنه هو الذي أعاد الاعتبار لحريات الناس من خلال تنظيم التنصت، لكن الواقع أن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى هي التي أصدرت المرسوم رقم 15280 لتحديد أماكن وأصول اعتراض المخابرات، والمرسوم رقم 15282 الذي يضع نظام عمل الهيئة المستقلة للتنصت، وقد تم يومها تعيين ضابطين هما عادل مشموشي عن قوى الأمن الداخلي وساسين مرعب عن مخابرات الجيش. الوزير باسيل لم يكتف بإعاقة عمل قوى الأمن الداخلي، وطلبات لجنة التحقيق الدولية، بل "استقدم" إلى وزارته العقيد داني فارس الذي كان مسؤولاً عن التنصت في الأمن العام أيام اللواء جميل السيد. كما أقدم على خطوة أخرى تثير الريبة عندما طلب من موظفي وزارته جمع كافة الطلبات التي وردت إليها من الأجهزة الأمنية، وخاصة فرع المعلومات، منذ العام 2004 وحتى اليوم، بما فيها الطلبات التي تخص لجنة التحقيق الدولية، الأمر الذي كشف عن ثغرة في القانون رقم 140/ 99 والمرسومين التطبيقيين، لجهة تمكّن وزير الاتصالات، أيّ وزير اتصالات، من الحصول على معلومات ناتجة عن التنصت وقاعدة البيانات دون مراقبة قانونية، أو إذن قضائي!.

غير أن الأهم في هذا الملف، ليس التنصت الذي تقوم به أجهزة أمنية، على عدد محدد من المكالمات، وإنما ذلك التنصت غير الشرعي والمتفلت من أي ضابط، الذي تقوم به أجهزة مخابرات غير لبنانية، وجهات حزبية لبنانية، وسفارات أجنبية، وربما شركات تجارية كبيرة. ومن المفيد هنا الانتباه إلى أن قوى الأمن الداخلي نفسها واقعة تحت التنصت، لأنها لا تملك شبكة اتصالات خاصة بها، وأن الكثير من مراسلاتها تسرّب للإعلام بناء على التنصت عليها. كما من المفيد التذكر أن احدى القنوات كانت عرضت بالصورة الصوتية لمكالمتين هاتفيتين بين مدير عام قوى الأمن الداخلي والمدعو أحمد مرعي بتاريخ 16/11/2008، وقد حصلت القناة عليهما من جهة قامت بالتنصت على قوى الأمن الداخلي!. كما من المفيد التذكير أن العديد من جرائم الاغتيال السياسي وقعت بعد تنصت المجرمين على مكالمات الضحايا ومعرفة مسار تحركهم، كما وقع في جريمة اغتيال النائب انطوان غانم على سبيل المثال لا الحصر.

ولحل هذه المشكلة اقترح مدير عام قوى الأمن الداخلي في اجتماع السرايا الأخير أن يصار إلى خلق آلية تقنية وقانونية لملاحقة عملية أية عملية تنصت غير قانونية، ضمن الجهاز المكلف بملف التنصت والذي ستنشئه وزارة الاتصالات، أطلق عليها اسم: "التنصت المضاد". فهل يدعم وزير الاتصالات "الحريص على الحريات العامة" هذا الأمر؟ وهل يقبل حليفه "حزب الله" الذي يمتلك أكبر شبكة تنصت خاصة بهكذا اقتراح؟!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل