إيران لسوريا: تهدئة مع السعودية… لا أكثر
تعتقد المصادر العربية المطلعة نفسها ان نجاح مبادرة المصالحة العربية التي اطلقها العاهل السعودي عبدالله بن عبد العزيز في الكويت قبل مدة قصيرة او فشلها لا بد ان يظهر خلال اقل من شهرين. ذلك ان القمة العربية الدورية المقررة في الدوحة اواخر آذار المقبل هي التي ستقرر مصير هذه المبادرة، سواء باشتراك جميع الملوك والرؤساء العرب فيها وتصرفهم على نحو مسؤول يعيد التضامن العربي ويفسح في المجال امام الاتفاق على سياسات تساعد في تسوية الخلافات الكبيرة وحل الكثير من الازمات، او بامتناع بعضهم عن حضورها او خفض بعضهم الآخر مستوى مشاركته فيها.
ورغم ان الجهود لانجاح المبادرة، وتالياً القمة، يجب ان تشمل كل الدول العربية فان المصادر المذكورة ترى ان جهداً اساسياً يبذل في اتجاه سوريا بشار الاسد لاقناعها، بعد تحولها الذراع العربية شبه الوحيدة للجمهورية الاسلامية الايرانية ولطموحاتها التوسعية في المنطقة، باظهار رغبة صادقة في لمّ الشمل العربي وترتيب العلاقة العربية – الايرانية على نحو يحفظ حاضر الامة العربية ومستقبلها. اما لماذا هذا التركيز على سوريا فلأنها اولاً دولة عربية مهمة ذات دور اساسي سواء في السلم او في الحرب مع اسرائيل، وذات قدرة على التأثير في اكثر من دائرة عربية. وثانياً، لان تردي علاقتها مع المملكة العربية السعودية ومصر وتالياً مع دول عربية اخرى وعجزها عن معالجته جعلاها تذهب بعيداً في علاقاتها الايرانية من دون ان تهتم بما يتركه ذلك من آثار سلبية على اشقائها العرب او على معظمهم. وثالثاً، لأنها بعلاقاتها مع "حماس" الفلسطينية و"حزب الله" اللبناني، فضلاً عن تحالفها مع ايران، صارت مصدر دعم مباشراً او غير مباشر للاصولية الاسلامية السنية بكل انواعها وفي مقدمها الراديكالية المؤمنة بالعنف بل بالتغيير بواسطة العنف والواسعة الانتشار في العالم العربي ولا سيما في مصر وفي سوريا نفسها. علماً انها تعرف ان هذه الراديكالية تناصبها العداء اساساً (اي النظام الحاكم فيها) ولا يبدو انها ستنسى مواجهتها معها وخسارتها امامها قبل سنوات طويلة رغم المصالحات التي يقال ان دولة صغيرة الحجم كبيرة الموارد وواسعة الطموحات اجرتها بين الفريقين. ورابعاً، وربما اخيراً، لان سوريا قد تكون مقيّدة بعض الشيء بتحالفها الاقليمي مع ايران الامر الذي يوجب فتح الباب امامها لتمكينها من تخطي اي قيد مهما يكن صغيراً والعمل مع اشقائها العرب لترتيب امور البيت العربي الذي لا احد ينكر دورها الاساسي داخله. وقد ظهر القيد المذكور من خلال تباينات عدة في المواقف بين دمشق وطهران، رغم تفاهمهما على ثوابت كثيرة. والتباين الأهم كان مضي سوريا في المفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل برعاية تركيا واستعدادها لتحويل هذه المفاوضات مباشرة في الوقت المناسب. وما عزز التباين المذكور اندفاع تركيا في بذل الجهود بين دمشق وتل ابيب واقتناعهما بانهما صارتا قاب قوسين او أدنى من الاتفاق، وهي (اي ايران) لا تحبذ ذلك بل ترفضه، ليس لأسباب مبدئية وايديولوجية فقط بل ايضاً لاسباب مصلحية. ذلك انه يتركها وحيدة في مواجهة اسرائيل، ويزيل العراقيل من امام تسوية فلسطينية – اسرائيلية واخرى اسرائيلية – عربية شاملتين. فضلا عن انه ينزع القضية الفلسطينية التي استخدمتها بمهارة لجعل نفسها القوة الاقليمية العظمى في المنطقة، الى جانب اسرائيل، وتالياً صاحبة الدور الاول، غير الاسرائيلي طبعاً، فيها. ولن يكون في استطاعتها، في حال كهذه، التمسك بالقضية المذكورة ومواصلة استغلالها لان المرتكزات التي اعتمدت عليها لذلك وفي مقدمها "حزب الله" و"حماس"، لن تكون قادرة على الاستمرار في الدور، فضلاً عن ان التيارات الاسلامية الاصولية السنية الرافضة من عنفية، وغير عنفية لا بد ان تفقد الكثير من حرية التحرك في هذه الحال. لكل هذه الاسباب قلبت ايران الطاولة على حليفتها سوريا وعلى الجميع في المنطقة عندما رعت ما حصل في غزة قبل اسابيع وادى الى العدوان الاسرائيلي الوحشي عليها.
هل بدأت الترجمة العملية لمبادرة المصالحة العربية على المسار السوري اذا جاز التعبير على هذا النحو؟
العربية السعودية صاحبة المبادرة، تجيب المصادر العربية المطلعة نفسها، فتحت الباب امام سعاة الخير بينها وبين دمشق. وسوريا بدورها تحاول بهدوء بعيداً من الاضواء البحث عن وسيلة تقربها من المصالحة ولا تضطرها الى دفع مقابل غال لذلك. وهي لا تمانع في قيام جهات عربية، منها السلطة الفلسطينية، بدور في هذا المجال. وقد اعرب رئيس هذه السلطة عن استعداده لدور كهذا بل ابدى استعداده لزيارة دمشق للبحث فيه لكنه وضع شرطاً واحداً هو رفضه لقاء خالد مشعل زعيم "حماس". طبعاً رفضت سوريا لانه في ضيافتها وربما لانها لا تستطيع اغضاب حليفها الايراني.
والعربية السعودية تبحث، ودائماً استناداً الى المصادر نفسها، في الوسيلة التي يمكن ان تعتمدها لتسهيل اتخاذ الرئيس السوري بشار الاسد قرار الإقدام على المصالحة الفعلية او الانخراط فيها جدياً. ومع انها لم تقرر شيئاً بعد، فان المصادر اياها لا تستبعد ان يكون إيفاد الملك عبدالله بن عبد العزيز احد انجاله او انجال اشقائه مندوباً عنه لزيارة بشار ومواصلة "كسر الجليد" والتمهيد للقمة الموسعة في اواخر آذار المقبل.
هل ينجح كل ذلك؟
المصادر العربية المطلعة نفسها تقول ان نجاحه رهن بموافقة ايران او بتفاهم سوريا معها على كل الامور. وتعزو هذا الى معلومة تفيد ان الرئيس السوري اوفد مساعداً كبيراً له الى طهران في زيارة لم يعلن عنها، وانه عاد منها بموقف ايراني لا يمانع في "تهدئة" مع السعودية وربما غيرها لكنه لا يوافق على اي شيء يتعداها. وانطلاقاً من ذلك يمكن ان يرى العرب بعض الحركة التصالحية في المستقبل القريب. لكن ذلك لن يكون نهائياً ما بقيت ايران في حاجة الى الاحتفاظ بكل اوراقها العربية والاسلامية الى ان تقرر الادارة الاميركية الجديدة اي موقف ستتخذ حيالها.
ماذا عن مصر ومبادرة المصالحة العربية او بالاحرى السعودية؟
وماذا عن تركيا ودورها في مواجهة ايران ومحور التطرف الذي تتزعم والتي يبدو ان محور الاعتدال العربي قرّرها؟
واين لبنان من كل ذلك؟