معركة انتخابية أم محرقة وطنية!
تزاحمت الأحداث على المسرح اللبناني في الأيام الماضية، متخذة منحى تصعيدياً سياسياً وأمنياً، مُنذرة بحمى انتخابية مرتفعة ممكن أن تُفقد العديد من السياسيين رشدهم ووعيهم للحدود المقبولة في إدارة العملية الانتخابية.
ويسجّل العماد عون ثباتاً ملفتاً على لغة التهديد والوعيد لخصومه من "قطع يد ولسان و…"، كل ما يمكن أن ينطق بحقيقة أو واقع لا يُطيق الاعتراف به، وتتردد أخبار عن توزيع أسلحة للمناصرين في بعض المناطق <تحضيراً للانتخابات المقبلة>، ثم يكتشف الجيش مع القوات الدولية خمسة صواريخ كاتيوشا في الناقورة كرسالة واضحة بأن العمل العسكري من الجنوب، بغض النظر عن عرّابه، لا يزال احتمالاً وارداً في المواجهة العربية مع اسرائيل، وورقة ضغط داخلية على الحكومة التي تحملها إسرائيل مسؤولية الإمساك بالأمن والحدود، وبالتالي دفع فاتورة أي اعتداء من داخل الحدود اللبنانية من حساب البنى التحتية، من مطار وماء وكهرباء وطرقات، إلى ما يمكن أن يصل اليه الإجرام الاسرائيلي المجنون.
ويتزامن هذا التصعيد مع سلسلة أحداث سياسية من شأنها تأجيج الخصومات وتكريس الانقسامات، بدءاً من فتح ملف التنصت مع كل ما يحمل في طياته من حروب مخابراتية حيث يحاول كل طرف أن يبسط سلطته على هذا الجهاز أو ذاك، إمعاناً في السيطرة على أمن الوطن والمواطن، في جبهة جديدة فتحت بين 8 و14 آذار، وفي خط متواز كانت حملات مبرمجة ضد رئيس الجمهورية وكتلته الوسطية تتصاعد وتيرتها في محاولة لإفراغها من مضمونها قبل انطلاقها، نظراً لما تشكل من خطر من حيث استقطاب واسع لأصوات المسيحيين المعتدلين والذين سئموا الشحن الطائفي والتعبئة السياسية والتي أثبتت أنها تخدم مُطلقيها بغض النظر عن مصالح المواطن الموجودة في مهب الريح.
كما أن رئيس الحكومة نال حصته من الحملات المبرمجة عبر إشكالية صندوق الجنوب والذي تسبّب – ولا يزال – في عرقلة الموازنة، ضاربين عرض الحائط الأزمة الاقتصادية العالمية والظروف المعيشية الخانقة التي يعاني منها أغلبية اللبنانيين الساحقة بغض النظر عن انتماءاتهم وطوائفهم.
وجاء أخيراً، وليس آخراً، إعلان النائب المر ترشحه والطلاق النهائي مع العماد عون، ما يعني ارتفاع وتيرة التهديدات العونية وخطر اللجوء إلى شتى الوسائل لتعويض هذه الخسارة الانتخابية، أولها يبدأ بمحاولة شق الصف الأرمني، الموحّد حتى الساعة، وهكذا تغرق كل الطوائف اللبنانية بانقسامات حادة، تبدأ عند الانتخابات النيابية ولا يمكن لأحد التنبؤ أين تنتهي، على غرار الانقسام الفلسطيني والعراقي الداخليين.
وإذا كانت عقلية <فرّق تسد> مبررة من قبل الغريب، فهي غير مفهومة اطلاقاً عندما تنبع من الداخل اللبناني، فهل يتحلى اللبناني، في هذا الامتحان الجديد، بالوعي السياسي والاجتماعي لتفادي السقوط في هاوية الحرب الأهلية، بعدما أثبتت التجربة للمرة الألف أن أعداء اليوم هم أحلاف الغد؟.