والكلام يتّصل به مباشرة وليس بحواشيه ولا بأدواته. وفي ذلك إخلاص أكيد للحقيقة. واحترام تام لذكاء الناس. وتقدير واعٍ لحاسة الشمّ والتمييز عندها.
كلما غلب الظن، بأنّ المستويات التي بلغها الهريان الوطني العام في السياسة والاقتصاد والاجتماع والعادات والأعراف والتقاليد والإعلام والأمن ومشتقاته والدولة وسيادة القانون، وصلت إلى ذراها المنطقية (في حالات الحرب الأهلية الباردة) كلما تبيّن أنّ ذلك الحكم قاصر عن الصواب. وأن ذرى أخرى أبعد وأعلى مقاماً كامنة خلف كل خطوة يخطوها ذلك الحزب، وخلف كل تصريح لقيادييه، وخلف كل تعليمة تمرّر إلى “جهاز الأمن الفكري” التابع له بهدف النيل من حزب هنا أو مرجع هناك!
وسّع نطاق اللعبة وإن أبقى على قواعدها: يرتكب الخطأ ثم يعمد إلى “تصحيحه” بخطيئة! يذهب واعياً إلى سوريا لدعم طاغيتها ضدّ شعبها وعندما تنكشف أوراقه يكرج إلى الداخل اللبناني مجدّداً ويروح يخوّن ويشتم خصومه ويوتّر الدنيا في كل شأن ومجال، وفي ظنّه أنّ ذلك يبيح له تعميم المثالب والخطايا من خلال جرّ الجميع إلى “مجاله” الخاص.. فيفشل مسعاه في كل الحالات.
.. ذلك أنّ أحداً لا يجاريه في “مجاله”. هو (مثلاً) يقاتل بكل معنى الكلمة في سوريا فيما غيره (محلياً) يتدخّل من بعيد بالسياسة والإعلام ليس إلاّ. وهو (مثلاً) ينخرط في مهام أمنية عابرة للحدود، عويصة ومعقّدة وخطرة، فيما غيره ليس في ذلك الوارد لا من قريب ولا من بعيد! هو (مثلاً) يسبّب أذى يطال اللبنانيين في الخليج العربي فيما غيره يسعى في السرّ أكثر من العلن لدرء ذلك الأذى والتخفيف من تبعاته وآثاره. هو (مثلاً) يدعّم شروط ومقوّمات “الاختراقات” الداخلية في غير ساحته ثم يروح يتهم خصومه بالسعي إلى الشرّ! هو (مثلاً) يأخذ الجيش غطاءً لقراره ثم يريد أن يمنع الضحايا من إعلان وجعها.. يُسأل عن ارتكاباته فيحيل السائل على المحكمة التي فتحها منذ زمن الوصاية وحدّد فيها صلاحيّته بإصدار الأحكام بالوطنية والخيانة!.. يُقال في وجهه وعنه كلام كنسي ورئاسي لا يُجادل، فيهرب من المواجهة المباشرة إلى شتم المتفرّجين! أو خصومه “التقليديين”!
.. يطرح شروطه على المستوى الحكومي ثمّ يتّهم خصومه بتعطيل التأليف. والأخطر، أنّه عندما يذكّره رأس الدولة والجمهورية بأنّه مؤتمن على اللبنانيين ومصيرهم وعلى الوطن ومصالحه وليس على مصير بشار الأسد ولا على مشروع “الامبراطورية” الإيرانية ولا على مصالحها، يوعز إلى آلته القادحة والشاتمة والعبثية بإطلاق أعنّتها إلى حدود الإسفاف والمرض.
ما كان أحد ليظن أنّ ذلك الحزب يمكنه أن يقدم أداءً مختلفاً عن الذي قدّمه ويقدّمه.. ساد افتراض يشبه الأمل لفترة وجيزة، بأنّ حقائق الدنيا ووقائع الجغرافيا والتاريخ والسياسة وعلم الاجتماع وشروط علاقات اللبنانيين (المعقّدة بأي حال) يمكن لها أن تدفع بملكة القرار عنده إلى الجلوس على عرش المنطق السليم والصحيح، لكن العبث كان أقوى.. والفظيع في كل ذلك، هو أنّ الحزب يحاول دائماً أن يقول إنّ خياراته “مصيرية” بالتمام والكمال. من 7 أيار إلى القصير إلى عبرا إلى حمص.. الخ، لكنه في كل خطوة كارثية يخطوها في ذلك المنحى والسياق والزقاق، يغفل عن الحقيقة الأخيرة القائلة انه بيديه وليس بغيرهما يرسم لنفسه مصيراً.. لا تحلم به إسرائيل ولو أمام ألف ألف حائط مبكى!