القصّة بدأت، وفقاً لمعلومات بعض القريبين من عون، باللقاء الذي جمع الوزير جبران باسيل مع السفير السعودي علي عواض عسيري في عشاء لدى أحد الأصدقاء المشتركين للطرفين منذ نحو شهر ونصف شهر تقريباً، حيث تبادلا الحديث مرفقاً بعتب عسيري على عون لأنه منذ انتدابه في لبنان زار مختلف الأفرقاء اللبنانيّين في “14 و8 آذار” وغيرهم من القيادات المستقلّة، ولم يتلق أي إشارات إيجابية من فريق “8 آذار”، وتحديداً من عون، فكان أن زار باسيل وبإيعاز مباشر من عمّه، السفارة السعودية مع دعوة إلى الغداء في الرابية… أمّا بقية القصّة فباتت معروفة لدى اللبنانيّين المهتمين.
بعد ذلك اللقاء بفترة وجيزة، بدأت وسائل الإعلام القريبة من عون تسريب أخبار عن لقاء قريب سيعقده مع الحريري في باريس، وأنّ التحضيرات بدأت له في بيروت والعاصمة الفرنسية. والغريب أنّ أحداً من القريبين من الحريري أو مستشاريه الذين أبدوا ترحيبهم الضمني بمثل هذا اللقاء إن حصل، لم يُظهروا أمام من التقاهم أنهم على علم أو دراية بأي شيء من هذا القبيل وفي هذا الوقت تحديداً، خصوصاً أنّ هجوم عون الأخير على الحريري على خلفية التمديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي لم يمرّ عليه سوى أيام.
ماذا إذاً في خلفية “الودّ المفاجئ” لعون تجاه الحريري؟
في الخلفية السياسية يمكن الإشارة الى الآتي:
أولاً: حاجة عون في “الواقعية السياسية” الى الانفتاح على الحريري في هذه الفترة، لأنّ الأخير كان ولا يزال الزعيم السنّي الأبرز ويُمثّل الاعتدال السنّي في لبنان، في مقابل الحركات الإسلامية المتشدّدة التي يمثّلها الشيخ أحمد الأسير وغيره، وبالتالي هناك مصلحة مباشرة لعون، ولو في الشكل، بالإيحاء للشارع المسيحي ولجمهوره تحديداً، أنه رجل الحوار والمبادرة تجاه الآخرين، خصوصاً بعدما نُمي إليه أنّ رجال أعمال لبنانيّين مقيمين في لبنان وقريبين من “التيار الوطني الحر” عاتبون عليه لأنّ الأوضاع في البلد لا يمكن أن تستمر على هذا المنوال من الجمود والتراجع، وتحديداً في الملف الاقتصادي، وبالتالي لا بدّ من أمر ما أو “صدمة إيجابية” يُحدثها عون لإعادة تحريك الأوضاع سياحياً واقتصادياً ومالياً، بعد الشلل الذي أصاب معظم هذه القطاعات، وتحديداً منذ دخول “حزب الله”، حليف عون، في الحرب السورية لمساندة النظام في وجه معارضيه.
ثانياً: حاجة عون إلى مساعدة حالية ولاحقة لدى دول الخليج العربي، وتحديداً لدى المملكة العربية السعودية، في ما خصّ بعض اللبنانيّين المسيحيّين المتعاطفين معه والذين كثفوا اتصالاتهم في الفترة الأخيرة وناشدوه المساعدة قدر الإمكان لوقف أيّ إجراءات قد تتخذها في حقهم السلطات هناك بعد الأخبار التي سرت عن إمكان ترحيل بعضهم وفقدانهم مصدر رزقهم في حال ثبت تورّطهم بتمويل قضايا أمنية معينة.
ثالثاً: حاجة عون المحلّية الى “زكزكة” حلفائه، أي “حزب الله” وحركة “أمل” على خلفية تبنّيهما التمديد لقهوجي غير آبهين برأيه لما يريده في قيادة الجيش، ومحاولة منه للقول انه قد يُغيّر تحالفاته إذا ما استمرّوا في تجاهله في قضايا يعتبرها حسّاسة.
فهل نجح عون في إعادة الودّ المفقود مع الحريري أولاً، ثم في زكزكة حلفائه ثانياً؟ بطبيعة الحال لا، فلا الودّ المفقود يعود بالتقارب الإعلامي والكلامي فقط، ولا الزكزكة المفترضة تكون بهذه الطريقة.