#adsense

“الرسم التقريبي” لجريمة الكرنتينا: إنه بشّار الأسد

حجم الخط

تتجمّع فيه مقوّمات النيّة العدائية والقدرة التنفيذية والمصلحة السياسية.. والسوابق الجرمية

“الرسم التقريبي” لجريمة الكرنتينا: إنه بشّار الأسد

فارس خشّان

 

الجرائم الإرهابية لها أهداف سياسية محددة، لأنها وليدة تفكير عميق. وفي العلم الجنائي، يتم رسم صورة الفاعل الاحتمالي بالاستناد الى معطيات متشابكة ومتكاملة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: مَن خلق الجو المؤاتي للجريمة الإرهابية، بمعنى من هي الجهة التي اعتبرت الهدف “حلالاً” أو “مباحاً”؟، وما هي التداعيات السياسية لهذه الجريمة؟، وما هي السيناريوات التي اعتمد عليها الفاعلون حتى يقدموا على اقترافها؟، ومن هي الجهة المستفيدة من الحدث الإرهابي (طبعاً قبل اكتشافها في حال كان هناك مؤسسات عقابية)؟، ومن هم أولئك الذين تتوافر لديهم القدرة البشرية والتقنية والمادية ليحققوا نيتهم الظاهرة؟، وما هو السياق الدقيق الذي تمّ ارتكاب الجريمة في إطاره؟.


كل هذه الأسئلة المستقاة من علم مكافحة الإرهاب، تصلح للبحث في العملية الإرهابية التي وقعت، أول من أمس، على الطريق البحرية بين الكرنتينا والدورة، واستهدفت “المفرزة السباقة” لموكب السفير الأميركي في لبنان جيفري فيلتمان ووقع ضحيتها ثلاثة شهداء من المدنيين وبينهم عريس لم تمض سوى أربعة أشهر على حفلة زفافه.


بطبيعة الحال من يدقق جيدا في الواقع السياسي اللبناني والإقليمي يستطيع، من دون عناء، أن يحدد “رسما يدويا” للإرهابي المحتمل، كما أن من يراجع السفير ـ الهدف للإطلاع منه على الجهة أو الجهات التي “يناور” عليها في لبنان يستطيع، ببساطة، أن يعمق معرفته بصاحب هذا الرسم.


لا جدوى من الاستفاضة في إثارة الشكوك حول أطراف لبنانيين، فهؤلاء أياً كان موقعهم من الجريمة وموقفهم من الضحية لا يعدو كونهم مجرد “أدوات” في لعبة إقليمية كبرى وتالياً فهم، ومهما تكدست الظنون حولهم، ليسوا سوى لاعبين ثانويين في لعبة كبيرة.
ومن هنا بالتحديد يبدأ البحث.


الأسد وفيلتمان


يوم الإثنين الماضي كتب الزميل نهاد مشنوق في زاويته الأسبوعية في صحيفة “السفير” كلاماً منقولاً عن الرئيس السوري بشار الأسد ومفاده أن هناك دولتين ترفضان الانفتاح على سوريا وهما الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية.


وفي ما يشبه التزامن مع من سمّاه مشنوق بالرئيس المغامر ـ وهو في واقع الحال مقامر ـ كانت وسائل الإعلام السورية مع الناطقين بلسانها في لبنان يصوّرون الولايات المتحدة الأميركية بأنها “عقدة الحل في لبنان والمنطقة”.
وفي نيسان الماضي، ووفق محضر لقاء الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مع “الرئيس المقامر” ووزير خارجيته “التراجيدي” وليد المعلم، تمّ تدوين الواقعة الآتية: “وأخذ الكلام المعلم وطلب من بان كي مون إعطاء إجازة مفتوحة للسفير فيلتمان في لاهاي، وسوريا مستعدة لدفع التكاليف”.


وقبل أسبوع، أطل فيلتمان على اللبنانيين وقال إنه سيغادر لبنان قريبا ولكن هذا لا يعني أنه سيترك ملف لبنان، بل سيكون متابعا دقيقا له، مما أوحى بأن فيلتمان سيكون في عداد الفريق الأميركي المكلف الملف اللبناني، من خلال تشكيله صلة الوصل بين “حمائمية” وزارة الخارجية و”استراتيجية” مجلس الأمن القومي.


ومن يدقق جيداً بأدبيات فيلتمان (وآخرها ما ورد في مقابلته الممتازة مع الزميلة العريقة “النهار”)، يدرك أن “ثورة الأرز” تكاد تكون عقيدة من عقائده السياسية الراسخة، وتاليا فهو سيكون في واشنطن سفيراً واسع النفوذ للبنان السيد والحر والمستقل، في إدارة (أياً كانت طبيعتها) تحترم الخبراء.


وإذا ما تمّ جمع هذه المعطيات (وهي غيض من فيض يتضمن في ما يتضمن “التكليف الشرعي” لمرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي القاضي بإلحاق هزيمة بالولايات المتحدة الأميركية في لبنان)، يمكن وضع “رسم تقريبي” للرئيس السوري بشار الأسد.


“طاعون” شولتز


وهذا لا افتراء فيه ولا أحكام مسبقة، لأن التدقيق بأدبيات “الرئيس المغامر”، منذ صدور القرار 1559، يُظهر ان النظام السوري طالما هوّل على المجتمع الدولي بإعادة لبنان الى مرحلة الثمانينات.


وهذه المرحلة في القاموس الأميركي تعني اغتيال الديبلوماسيين الأميركيين كما رعاياهم، وتفجير مقر المارينز، وخطف الطائرات.


والعودة الى الثمانينات في ذهن المخططين السوريين تعني ما أخذه النظام السوري من صفقات مُجزية مددت سطوته على كل بلاد الأرز بعد صرخة وزير الخارجية الأميركية، آنذاك، جورج شولتز: لبنان طاعون.


وفي هذه الحال، يمكن جمع ثلاثة معطيات جوهرية في “الرسم التقريبي” وهي: العداء المستحكم للسفير فيلتمان صاحب الدور المستقبلي في صلب صنع القرار الأميركي، نشر طاعون الإرهاب في لبنان، وتوافر الإمكانات التنفيذية، سواء بصورة مباشرة أم من خلال “وكلاء” محليين.


وهنا لا تُغيّر الإطلالة الصوتية الأخيرة لمن يُعتقد أنه شاكر العبسي، قيد أنملة في تعاريج “الرسم التقريبي”، لأن العبسي الذي أرسله النظام السوري الى لبنان بدل تسليمه للأردن طالبة استرداده قانونيا، سواء كان له ضلع في هذه الجريمة أم لا، فهو يقود الى مكان واحد: المخابرات السورية.


رسائل الأسد من موسى حتى سليمان


وفي مطلق الأحوال، فإن جريمة الكرنتينا هي الإعلان الأخير الصادر عن دمشق بأنها لا تضع في جدول أعمالها الاعتراف بلبنان السيد والحر والمستقل، وتاليا فهي تبعث برسالة دموية صاخبة الى واضعي “خارطة التدويل” من جهة أولى، والى القوى اللبنانية التي تعتقد أن هناك “سقفا” يقيها الغضب المفخخ من جهة ثانية، والى جامعة الدول العربية ومن وراءها مصر والسعودية بأن الطريق الى لبنان مقطوعة إن لم تُعبّدها دمشق، من جهة ثالثة.


وثمة من يرفض أن يُحذف قائد الجيش العماد ميشال سليمان من قائمة المرسلة إليهم سيارة الكرنتينا المدمرة، فمنذ إعلان ترشيحه تكثفت وتيرة التفجير في لبنان، لا بل دخلت أطر جديدة عليها: جرائم قطع طريق المطار المتمادية، مرتين بالتزامن مع اغتيال اللواء فرانسوا الحاج، ومرتين أخريين بالتزامن مع استهداف الموكب الأميركي. إثارة الإضطرابات في محلة البسطا بالتزامن مع دعوته الى الإنسحاب من المعركة.الإعتداء المعنوي على بكركي بالتزامن مع إعادة تعويم مرشحين آخرين، في ظل أصوات “سرية” تبلغه أنه لم يعد “مرشحا توافقيا”.


إذاً، أمام كل هذه المعطيات يمر لبنان في مؤامرة جهنمية تستهدف مواطنيه واقتصاده ومرجعياته وسياسييه ومؤسساته ومرشح التسوية الإنقاذية، وبطبيعة الحال المبادرة العربية بعد المبادرة الفرنسية.


ما الحل إذاً؟


ما قاله الرئيس المصري حسني مبارك حول “التخلي عن لبنان” يضع ـ ولو من دون قصد ـ ورقة غالية على طاولة المقامر بشار الأسد. وحده كلام مماثل ولكن للنظام السوري، قد ينفع

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل