في مواجهة مخططات الترهيب والترويع
متى ننتهي من "استراتيجية" الترهيب والترويع؟ هذا السؤال من عمر الحروب التي أشعلها "الآخرون" (بواجهات لبنانية) على امتداد قرابة أربعة عقود. فكأنها "استراتيجية" (تاريخية) رسمها، وتبناها كل الذين "وفدوا" الينا تحت شعار "انقاذنا" (ممّن؟ منهم بالطبع) وتحاربوا وحوّلوا أرضنا خرابا ومدننا، انقاضاً، وناسنا مجرد "نعاج" تساق الى الذبح "طائعة" أحياناً، ومجبرة أحياناً أخرى. هذه "الاستراتيجية" ساقتها الأنظمة التي رأت في استباحة لبنان تعويضاً عن هزائمها الداخلية وحروبها الخاسرة (مع اسرائيل وسواها) ومكاناً لتفجير مكبوتاتها وعقدها وأمراضها التسلطية ومطامعها وهيمنتها. كل الذين "أتوا" الينا منقذين؟ انقذونا بقوة الحديد والنار، من ديموقراطيتنا (النسبية) ومن حرياتنا، ومن ارادة شعبنا في تقرير سياسته وكراماتنا… وحيواتنا أيضاً. الاستراتيجية ذاتها ما زالت موصولة وكأن "الطغاة" لا يَرِثون سوى الطغاة، والارهابيين لا يرثون سوى الارهابيين: فاما ان تقبلونا "محتلين" وراكبين على رؤوسكم ومتقرعين على ذلكم… او "نُكسّر" كل شيء على رؤوسكم: حروب أهلية وانقلابات وقمع واغتيال وتدمير مدن.
"كل ذلك برهن خضوعكم أيها اللبنانيون" هكذا فعلت اسرائيل ولم تكتفِ بما فعلته مرة أو مرات، بل تواصلت في هذه الاستراتيجية لتنقل العدوى (أو الدور) لكل الأنظمة والأحزاب التي اهتدت العدوَ… ونفذت ما لن يكن له، او يتاح له أن ينفذه.
فكأن اسرائيل كفكر صهيوني ـ مخرب، اعطت كلمة "السر" كلّ من مُهّد له السبيل ليحتل "مكانها": اللغة ذاتها، الطغيان ذاته، المجازر ذاتها، التخريب ذاته، تدمير الدولة، الكيان، وحده الشعب والأرض، الفتن المذهبية، توريطنا بحروب لم تعد حروبنا: كل ما فعلت اسرائيل جدّده مَنْ تناوب على السيطرة علينا، من الأشقاء "ذوي القربى"، الى "الأصدقاء ذوي الغدر"، فالى الأشقاء ـ الجدد.
واذا كان ذلك "مبرراً" أيام الوصايات المتعاقبة (باذن اسرائيل وأميركا وبطلبهما أحياناً كثيرة ومديدة) فكيف يمكن لهذا "السحر" الصهيوني أن يستمر اليوم بعد استحقاق السيادة والاستقلال والتحرير وعودة كثير من الديموقراطية والحرية وتأكيد اكثرية الشعب وجوده الحاسم سواء في الانتخابات أو في الممارسات الديموقراطية المباشرة (تظاهرات مليونية وسواها). مع هذا بقي فريق "لبناني"! مصراً على الاستراتيجية الاسرائيلية الموروثة من الأنظمة التي ينتمي اليها هذا الفريق ويأتمر بها، وكأن شيئاً لم يكن! لا شيء تغير بالنسبة اليه: الأكثرية؟ ـ وهمية! الديموقراطية؟ ـ مزيفة! التظاهرات بلا فاعلية؟ مجلس النواب المنتخب؟ معطل باشارة! الحكومة "بتراء" … اذاً فالأقلية هي الأكثرية، "عنزة ولو طارت" والسيادة الى "الوصايتين" والاستقلال برسم من "يحرره" من الاستقلال: كأنها الطغيانيات المتجددة: أو "الصهيونيات" المقنعة اذ من يمكن ان يقنعنا بأن محاولات تدمير الاقتصاد والدولة ووحدة الأرض واقامة الكانتونات والبؤر المسلحة وتوزيع السلاح و… الانقلابات على الشرعية وتناسخ "العبابسة" (شاكر العبسي) في بيروت، أو في الشمال… لتهديد النظام والكيان والجمهورية ليست من أهداف اسرائيل ومن أولوياتها: ينفذها من يفترض انهم يواجهون مخططاتها. (رائعّ برافو).
اليوم، واستمراراً باريحية هؤلاء وعشية الانتخابات النيابية والمحكمة الدولية والعلاقات اللبنانية ـ السورية، هّبَت الحمية اقوى في نفوس هؤلاء وكلُّ من موقعه ومن دوره بحسب ما خُّطط له توزيع اسلحة في بعض المناطق تمهيداً لتحقيق "ديموقراطيتهم" ترهيب بعودة "7 أيار" "الصهيوني" على بيروت والجبل وبعض المناطق، تلج الى اغتيالات يجددها القتلة (وربما كانوا اياهم من اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وشهداء الاستقلال) محاولة استدراج لبنان لحرب مع اسرائيل، أو استدراج اسرائيل لتضرب لبنان (كما الحال في غزة: لتأمين انتصار رباني جديد على الأشلاء والأنقاض، استخدام "التنصت" الشرعي وغير الشرعي لتسهيل "القتل" (وما أجمل القتلة بلبوس الأبرياء!) والتخريب إبقاء البؤر الأمنية وخصوصاً السلاح الفلسطيني خارج المخيمات ليتم عبرها اطلاق الصواريخ الاسرائيلية على اسرائيل بقرار خارجي، او لافتعال فتن وتخريب واعتداءات وفوضى… وإعادة الاقتصاد اللبناني الى الوراء.
وكل هذا يعني ان استراتيجية الترويع والتهديد والتخريب ما زالت تسابق كل الاستراتيجيات الأخرى من دفاعية أو هجومية أو بين بين.
على هذا الأساس ومن "استلهام الاستراتيجية" التي تسفر دائماً بعد الحروب والمعارك الداخية عن انتصار ايراني في لبنان، او نصر شقيق عندنا (وكم ننتظر ذلك اليوم الذي نهنئ فيه على تحرير الجولان، بدلاً من ان تقام واجبات التهنئة بالانتصار في غزة أو في لبنان: متى يكون للنظام ان يتقبل التهانئ بدلاً من ان يوزعها بعيداً من أرض المعركة: فحبذا. فحبذا: انها أمنية عمرنا ان نهزم اسرائيل واميركا في الجولان وفي ايران).
اذاً الانتصارات موزعة عندنا وفي فلسطين واحياناً في العراق: والغريب ان الذين "يعلنون" انتصارهم في بعض الأقطار لم يطلقوا رصاصة واحدة على اسرائيل… منذ عقود بل وقرون باعتبار انهم يحاربون بدمائنا، ويهادنون بدمائنا، ويفاوضون بدمائنا… و"ينتصرون" (وهم المهزومون) بدمائنا! فلكم ما شئتم "بالروح بالدم نفديك ايتها الأنظمة المستبيحة لنا.
من هنا، فان كل المعارك. حتى الآن هي خارج اسرائيل تقريباً بعيداً من مدنها واقتصادها وصروحها ومصانعها ومواقعها النووية… كل المعارك على الأراضي العربية ومنها أراضٍ محررة (كلبنان) وغير محررة كفلسطين: فمتى تصبح اسرائيل كلها ساحة للمواجهة؟ هذا برسم أنظمة الممانعة العربية وغير العربية برسم العرب كلهم والمسيحيين والمسلمين كافة باذنه تعالى!
ونظن أنه مع اقتراب موعد الانتخابات والمحكمة الدولية، وبعد "غزة" لا بدّ من التساؤل وبالحاح: اتراهم وعبر تفعيلهم مخططات الترهيب والترويع، يدأبون على اثارة فوضى هنا أو فتن هناك أو معارك هنالك للتأثير على مجرى المحكمة او للتأثير على حرية الناخب اللبناني وردعه ومنعه من ممارسة حقه الانتخابي. ويكفي ان نسترجع ما اعلنه بعض "قيادات" 8 آذار حول الانتخابات ونتائجها والتهديد بالويل والثبور اذا ما فازت الأكثرية واستعادة اسطوانة "المال السياسي" (وما لُهُم أوفر) لنفهم نيات هؤلاء (اضافة الى الصواريخ التي اكتشفت قبل يومين في انحاء الناقورة وهي صواريخ اسرائيلية موجهة الى اسرائيل) في رفضهم العضوي لكل نوع من تعابير المجتمع المدني وأدواته السياسية والاجتماعية. وهل يمكن ان ننتظر من "الانقلابيين" الموصوفين غَير المناحي الانقلابية، وغير سنّ السيوف والخناجر والسكاكين: وها هو ميشال عون يهدد بقطع الألسنة والأيدي، (كحليفه وزميله اميل لحود في خطاب القسم المشؤوم والذي خبرنا في عهده ابشع الاغتيالات والجرائم وأبشع أنواع مصادرة القضاء والتنصت والاعتداء على الحريات العامة والفردية والدستور والقوانين) وها هو أحد النواب العونيين "يهّم" بقذف نائب اكثري بزجاجة. (ما هذه المدرسة الجنرالية السمحاء) من دون ان ننسى تلك الموجة العنيفة من بعضهم حول بعض الصناديق والتركيز على رئيس الحكومة و14 آذار والحبل على الجرار. فالذي اعتبروا "الأكثرية المنتخبة اكثرية وهمية" هم الذين سيعتبرون ان تجديد الثقة بالأكثرية عبر الانتخابات اعتداء على "ديموقراطيتهم" وعلى اجنداتهم في السطو على الدولة لتعطيلها وتشويه الانجازات التي تمت في العهد الاستقلالي ويكفي كذلك ان نتابع الحملات المنظمة على ما يسمى "الكتلة الوسطية" من بعض 8 آذار وآخرها من النظام الشقيق، ليتم عبر ذلك الهجوم على الرئيس سليمان ونعت هذه الكتل بأنها "قناع" لـ 14 آذار والصاق التهم بها جزافاً كما هي العادة لنعرف اي مدى بلغ جزع هؤلاء من انهيارهم على المستوى الشعبي لا سيما في المناطق الموسومة بالمسيحية: من المتن الشمالي الى كسروان الى جبيل الى البترون.. حيث كانت هذه المناطق وعبر "المصادفات" المرحلية معاقل للجنرال عون وها هو النائب ميشال المر يرد رداً "مُراً" كالعلقم ويكشف ما كان يجب ان يكشفه من زمان. هذا التفكك شبه الشامل لحلفاء الوصايتين في المناطق المسيحية خصوصاً (وفي المناطق الأخرى غير الكانتونية وغير المصادرة) هزّ الانقلابيين هزاً عنيفاً، وافقد كثيرهم اعصابه وتوازنه فبات كلامه اقرب الى الهذيان اللوناتيكي لكي لا نقول المرض العضوي. لكن، وككل مرة، لم تكن تهديدات "الانقلابيين" والمهددين بـ 7 أيار شاروني جديد، وموزعي الاسلحة والمال (النظيف) الا حافزاً جديداً لجمهور 14 آذار لتجديد انتمائه، وتأكيد فاعليته ضمن الأطر الديموقراطية وتمسكه بالسيادة والاستقلال والعدالة والمحكمة والدولة والمؤسسات الشرعية.
ونطن ان الدعوة للمشاركة في الحشد الشعبي في يوم استشهاد الرئيس رفيق الحريري، يوم الدم الذي تحول يوم الاستقلال والسيادة والحرية هي تجسيد حي للارادة الحرة ورد على كل المنقلبات والاستراتيجيات الترويعية التي يعتمدها حُراس الأنظمة البائدة، ومحترفو التبعية لهذه الوصاية او تلك. وفي الميعاد المحدد سيفاجأ الذين "يُرهبون" (اي منقلب سينقلبون) ان اكثرية الشعب اللبناني التي أُضطهدت وقُمعتْ عقوداً، ورُوّعت عقوداً، وسُجِنت ارادتها عقوداً، وانزلت بها انواع القهر الاشد سيفاجأ بتوع قطع الطرقات واحراق الدواليب والاعتداء على الناس، بأن استراتيجيتهم التخريبية قد استنفدت وباتت اعجز من قبل على فعل فعلها. بل وسيفاجأ هؤلاء (وقد نتوقع منهم ممارسات لتعطيل هذا الحشد او الحد من تدفقه تماماً كما في السابق، ايام اميل لحود و"الفتيشة" ومتفجرة عين علق… بالمدى الواسع الذي ستسجلّه الجموع الزاحفة من كل المناطق، ومن كل الأجيال والاطياف بحيث يكون اليوم المشهود يوماً تاريخياً جديداً ومبايعة للأكثرية بتعدديتها المدنية والسياسية. ولا يمكن النظر الى هذه الخطوة الا كرد نوعي على الترهيب، ومحاولة استيعاب "المخارج" العنفية التي لم تعد الأقلية تملك سواها. ونظن ان المشهدية المقبلة في يوم دم الشهيد الحريري الذي صار يوم الاستقلال لا بد ان تكون المواجهة الجدية لمشهديات اخرى مرسومة بالالوان القانية ودخان الحرائق وزبد الألسنة الملعلعة، والقسمات المتشنجة والقبضات المرفوعة (العوذ بالله) لتكون عندنا مشهديتان واضحتان: واحدة تستلهم السلم الاهلي يحتلها حشود سلمية ومدنية، واخرى تستلهم لغة الالغاء والانغلاق والوعيد والسلاح والقوة. مشهدية تبشر بلبنان يخرج من العنف ومن الوصايات ومن الأنظمة التوتاليتارية البائدة والبنى الخارجية. واخرى تبشر بلبنان شبيه بنا خبرناه على امتداد عقود من "تجليات" تلك الأنظمة التي لم تعد على شعوبها وعلينا سوى بالهزائم المجلجلة بالنصر تحت عناوين: فشل العدو في هزم النظام (أو الحزب) وان نجح في احتلال الأرض: فالأرض مقابل النظام بل والنظام اغلى من الأرض باعتبار ان هزيمته في الدفاع عن اهله وارضه هو انتصار لنجاته (وهذا ما تريده اسرائيل: انظمة مهزومة على اراضٍ محلتة).
والعناوين ما زالت شغالة ومتوارثة منذ 7 حزيران 1967 وقبله وحتى آخر التجليات في غزة! فبرافو: نحتمي بالناس بدل ان يحتموا بنا: نبني الخنادق والملاجئ لنا ونترك الناس فريسة العدو: والمهم ان يرفع سكان الملاجئ والخنادق اشارات النصرعلى الجثث والاشلاء والخراب. وكل التهانئ!
هذا هو "اللبنان" الذي يريدون اعادة بنائه: مسرحاً للهزائم المظفرة (اقصد الانظمة القريبة والبعيدة) وساحة لجنونهم وكسرة خبز على موائدهم.. وهيكلاً على شاكلتهم وهذا ما يفسر تحديداً هذا الاستنفار السلمي لجمهور يؤمن بالديموقراطية والحرية والعدالة وهذا بالذات ما سيجعل المشهدية الشعبية في 14 شباط مشهدية بكل الألوان والأصوات والقامات المدافعة عن هذا البلد وتاريخه وثقافته وحقوقه المدنية والاجتماعية والسياسية والافتصادية ودوره الاستثنائي.