عن مغارة التنصُّت
عندما اقتحم الرئيس صائب سلام غرفة التنصُّت في وزارة البرق والبريد والهاتف، قالت الصحافة يومها ان الحكومة وضعت يدها على "المغارة السوداء" التي تعتدي على القانون والنظام والأعراف والحريات الخاصة والعامة، وتعرٍّض أمن الدولة والمواطنين للخطر.
وشكَّل الاقتحام الحدث السياسي الأهم الذي بقيت تفاصيله قيد التداول أياماً وأسابيع.
ومع ان تلك "المغارة" في حينه كانت على قدٍّها، وعلى مستوى الامكانات البدائية التي كانت متوافرة في السبعينات، فقد تبيَّن ان شخصيات سياسيَّة وسيدات مجتمع وسفارات ومؤسسات تجاريَّة قد وُضعت هواتفها قيد المراقبة الدائمة.
كما تبيَّن ان المتنصّتين يحرصون على تسجيل كل كلمة، وكل نكتة، وكل اسم يُذكر، وكل ضحكة، وكل موعد مع تحديد الزمان والمكان…
لكن ما يحصل اليوم وفي "المغارة السوداء" الحديثة، المزوَّدة كل الوسائل الالكترونية وتلك التي توفرها تكنولوجيا الاتصالات، تحتاج الى سلسلة من "المغاور"، ومن طراز مغاور قندهار تلك التي لها أوَّل وليس لها آخر، والى جيش من "المشرفين" لمتابعة آلاف المكالمات والحكايات التي أين منها حكايات الجنّ والغول والعنقاء…
لقد ثبت بالعين المجرَّدة والادلة الثبوتيّة، وباعتراف وزير الاتصالات نفسه، ان هناك فضيحة كبرى في وزارة الاتصالات، لا يمكن تجاهلها، أو اهمالها، أو التساهل في تحديد المسؤوليّات والمسؤولين.
فضيحة تنصُّت بثلاثة أربعة أطواق، الى تنصُّت مشبوه ضد تنصُّت أمني، فضلاً عن منع وصول نتائج تنصُّت مطلوبة قضائيّاًـ، وتمليها مصلحة التحقيق في جرائم اغتيال، وتفجيرات، وتفخيخات، وقصص تشيب من هولها رؤوس الأطفال.
وأحياناً حجب معلومات عَبْر التنصَّت عن الأجهزة الأمنيَّة والقضائيّة، و"إتاحتها" لـ"آخرين"، مما أدّى ويؤدّي الى حصول جرائم كان في الامكان تفاديها.
فضائح، وملفات، وقضايا كشف نواب تفاصيلها المثيرة في جلسة لجنة الاعلام والاتصالات، وكلها متصلة أو متفرٍّغة عن التنصت. وكلها تتسم بأهمية بالغة وتنتظر احالتها الى التحقيقات النيابيَّة والقضائية.
على الأقل، لكشف الملابسات و"الأبعاد" وتحديد المسؤوليات، وتبيان الصح من الخطأ.
ولا لزوم لتكرار ما ذكره النواب غازي يوسف وهادي حبيش وأكرم شهيّب، وبأدق التفاصيل والوقائع… والأسماء.
ألا تكفي الواقعة التي سردها وزير العدل ابرهيم نجار، والتي تتناول امتناع وزير الاتصالات جبران باسيل عن تسهيل حصول المحكمة ذات الطابع الدولي على معلومات بالغة الأهمية؟
ألا يكفي القلق الشديد الذي أبدته المحكمة، وروى تفاصيله وزير العدل على مسمع اثنين وستين نائباً؟
كيف تكون الفضيحة، اذاً، اذا لم تكن هذه القصص والحكايات هي الفضيحة الكبرى التي تستوجب اجراءات في مستوى حجمها.