#adsense

أهل الحياة..

حجم الخط

لطالما كان الميزان مستوياً في النزاع المحلي الاقليمي الذي شهده ويشهده لبنان منذ ثماني أو تسع سنوات: في مقابل دفّة الإلغاء والقتل والافتراء والمطاردة التخوينية، هناك دفّة التسوية والسلم الوطني والقبول بأحكام الدنيا ومتطلباتها وأخذ مشروع الدولة بالأحضان باعتباره بديلاً فخماً ومحترماً عن كل ضيم وظلم ويأس وموت ومشاريع لا تحمل ولا تحتمل إلا البلاء والضنى.
توازن دفّتَيْ الميزان هذا، هو الذي جعل ويجعل المعادلة راسية عند بوابات العجز المتبادل عن “حسم” النزاع، مع أن “منطق” الأمور الحسابية يُفصح بأن أطنان الصواريخ والذخائر أثقل في الميدان من ريش النَفَس الديموقراطي السلمي الليبرالي الحر والمتحرر.. لكن لأن ذلك الميدان لا يزال مفتوحاً وخارج الإقفال المحكم لأهل الممانعة والمناتعة، فإن ذلك القياس لا يسري كما تسري تجارة النحاس والخردة والبطاطا! بل بغير ذلك تماماً: بسطوة الاعلام وحرية الكلام وسهولة التواصل في عالم اليوم، وبالإعجاز الذي بَلَغَتْه تلك الثورة التقنية وجعلت من الحرية حتمية علمية بقدر ما هي ملكة لاصقة بالنفس البشرية منذ لحظة خروجها الى الحياة.
.. التوازن بين دفَّتَيْ الميزان وضع “الأخلاق السياسية الحميدة” لمشروع السياديين والاستقلاليين في موازاة الحديد والنار والرصاص وآلات الإلغاء والإفناء لمشروع الممانعين والأسديين. والأمر بسيط بقدر ما هو معقّد: ولا مرّة كانت الضحية إلا من أهل الصنف الأول! فيما القاتل والمتهم بالجريمة من أهل الصنف الثاني. وإذا كان الشكل يشي بانعدام التوازن بين الموقف والمتفجرة وبين الصوت والرصاص، فإنه في العمق لا يؤكد إلا ذلك التوازن: لو لم يكن الموقف صارخاً وعاصفاً لما وُضعت المتفجرة في حضن صاحبه ولما استخدم الرصاص لإسكات صوته.. والفارق جوهري بين الإلغائي القاتل والضحية المقتول: بدلاً من مواجهة الفكرة بالفكرة والموقف بالموقف يعمد الفاشي الى القتل لكنه لا يفعل إلا تأكيد موته هو وبقاء ضحيته “فكرة” فوق الموت!.
المعادلة التي تعطي ميزة “الشعور” بالتفوّق الأخلاقي على الفريق الآخر لا يكسرها إلا التماهي مع ممارسات ذلك الفريق. والاقتراب من ذلك الانحطاط الذي يجعل من بعض الأقلام والألسن عدّة شغل متمّمة لآلة الطاغية والجلاّد والجزار والمدمّر والكاذب.. قانون الأخلاق السياسية الحميدة لا يقول بذلك، بل يقول ان القتل لا يليق بالأفكار والآراء مهما كانت سوداء. كما انه ليس وصفة ناجعة وناجحة لمعالجة حدّة الأصوات الصادحة والعالية أيّاً كان موضوع تنغيماتها..
أهل الحياة لا يشمتون بالموت!

علي نون

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل