لا يختلف البطريرك بشارة الراعي عمن سبقه من البطاركة الستة والسبعين في بحثه عن النجاح في المعادلة الصعبة: التميّز كبطريرك من جهة، والتماهي مع الخط التاريخي لبكركي وثوابتها من جهة ثانية. اول بطريرك غير ملتح في الكنيسة المارونية اراد ان يترجم التغيير أبعد من الشكل. طمح الى ان يضخ دماءً جديدة في عروق كنيسته لعصرنتها من وحي «عنصرتها». تأبط كل النيات الطيبة وجعل الانفتاح على الجميع مدخله الى الحياة الكنسية والوطنية من موقعه كبطريرك. انفتاح معطوف على رغبة حقيقية بترجمة شعار حبريته «شراكة ومحبة»، إضافة الى شخصية طليقة اللسان، تحب الإعلام وتعرف تأثيره، جعلت البطريرك يندفع، مبالغاً أحياناً، في كل الاتجاهات. فأصاب في محطات وتعثر في اخرى. وانعكس ذلك بشكل كبير ومتسارع على رصيده في الاوساط المارونية كما الوطنية. وساهم البطريرك نفسه بزعزعة صورته عبر تصاريح ومواقف ارتجالية تناقضت في بعض محطاتها. مؤخراً، وتحديداً منذ بيان المطارنة الأخير الذي شدد على وجوب ألا يكون هناك سلاح على الأراضي اللبنانية غير السلاح الشرعي، ثمة عودة الى التمعن من قبل جميع الاطراف اللبنانية في مواقف بكركي.
بعد البيان الشهير، اكد المسؤول عن الملف المسيحي في «حزب الله» غالب ابو زينب انه «بمجرد الحديث عن سلاح غير شرعي خرجنا تلقائياً من لائحة المقصودين بهذا الكلام، كون سلاحنا هو سلاح مقاوم للدفاع عن لبنان، ويكتسب شرعيته ايضاً من البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة». في المقابل، استقبلت «قوى 14 آذار» بخجل او تجاهل كلام البطريرك الجديد على اعتبار ان «لا شيء يضمن ثباته، وقد يكون في ما ذهب اليه ابو زينب من اجتهاد في التفسير، صحيحاً في مقاصد البطريرك».
اختار الراعي الرد على طريقته، فدعا الى «دعم القوات المسلحة المنصوص عنها في المادة 49 من الدستور والتي قائدها الأعلى رئيس الجمهورية وتخضع لسلطة مجلس الوزراء» جازماً ان «كل سلاح خارج هذا الإطار يعتبر غير شرعي، ويستجلب سلاحاً غير شرعي».
ارتاحت أوساط «14 آذار» لكلام البطريرك الذي بدا واضحاً هذه المرة بالنسبة اليها. لكنه لم يُزل تماماً «توجساً ما» يستند الى «مواقف سابقة للبطريرك نقضها وتراجع عنها، او قال إنه تم اجتزاؤها وتفسيرها في غير معانيها»، كما يقول احد المسؤولين الحزبيين، يضيف «مع ذلك، نحن مقتنعون انه لا يمكن لبكركي إلا ان تكون منسجمة مع خطها التاريخي الذي لا تعترف فيه بسلطة في لبنان إلا سلطة الدولة اللبنانية، ولا بسلاح إلا سلاح الشرعية اللبنانية، وفوق كل ذلك لا تقر بأي سلطة تناقض العيش المشترك، وهو ما عبر عنه البطريرك بشكل واضح خلال قداس الشبيبة في بازيليك سيدة حريصا. فأحسسنا اننا نسمع مجدداً كلام بكركي الواضح غير المجامل في القضايا الوطنية المصيرية، وفي مقدمها مسألة تفلت السلاح، وفي أساسها سلاح حزب الله».
في المقابل لا يرى المسيحيون في المقلب المواجه ما يستدعي «النقزة» من البطريرك. يقول مسؤول في «التيار الوطني الحر» إن «بكركي لا يمكنها إلا أن تستند الى مواقف مبدئية مستوحاة من الدستور والميثاق الوطني، من دون الدخول في تفاصيل الحسابات السياسية. وليس المطلوب منها ان تكون طرفاً او فريقاً، إنما مدافعة حقيقية عن الثوابت اللبنانية وهو ما يفعله البطريرك والمطارنة، ونحن وإياهم على توافق تام». مفضلا عدم الدخول في نقاش حول التغيّر في مواقف بكركي. «فنحن نفضل ان نقول ما لدينا ونسمع ما لدى البطريرك داخل غرف الصرح البطريركي».
يقرّ المسؤولون المسيحيون في مقلبي الانقسام السياسي أن «بكركي تغيرت منذ بداية حبرية الراعي». وللطرفين ملاحظاتهما الإيجابية والسلبية على هذا التغيير. لكنهما يجمعان على «تغيير على مستوى أداء المطارنة». يبدي عدد من مسيحيي «14 آذار» استغرابهم «لتفرد عدد من المطارنة بإصدار مواقف سياسية عبر إطلالات إعلامية يلزمون بها الكنيسة والطائفة، في حين ان الكنيسة معروفة بنظامها البطريركي الصارم والمحدد. فكيف يبادر مطارنة الى التصعيد في الأسلوب او اللهجة او الموقف في قضايا معينة، او إطلاق الأفكار والاقتراحات في قضايا اخرى، من دون العودة الى مجلس المطارنة او البطريرك؟. هذا اسلوب لم نعهده في بكركي التي تبدو اليوم بأصوات متعددة. وقد جرى العرف ان البطريرك هو الناطق الرسمي باسم كنيسته، وخلفه مجلس المطارنة او من ينتدبه ويكلفه هو شخصياً، سواء كان أسقفا أو كاهناً أو علمانياً».