
بعد اكتشاف أكثر من مئة مغارة ومحبسة كائنة في الوادي المقدّس بأجزائه الثلاثة الشرقي ناحية مار ليشع، والمتوسط في وادي قنوبين، والغربي ناحية سيّدة حماطورة ودير قزحيا، تتميّز جميعها باللوحات الطبيعية الرائعة والمتمازجة الالوان.
ومن أبرز هذه المغاور الحليان والزنبقة البيضاء والفضّة وقرنة الحريقة والملاك والغفران وسواها من المعالم الفريدة التي تروي حكاية الوادي المقدّس، يجري تصوير كل هذه المعالم في فيلم تنتجه رابطة قنوبين البطريركية للرسالة والتراث بتمويل من مؤسّسة فارس، وهو الاول من نوعه لجهة التقنيات الفنية للتصوير، ولجهة المضمون الذي ينقل الى العالم تراثاً ثقافياً فريداً يكشف كي لا يندثر.
يقول مخرج الفيلم ومدير التصوير ميلاد طوق: “استعملنا تقنيات مميّزة حديثة خاصة بتصوير المغاور والكهوف المضيئة والمظلمة الجافة والمغمورة بالمياه، من نوعيات عدسات الكاميرات والاضاءة المعتمدة في “ناشيونال جيوغرافيك”، المستوفية تقنيات الافلام العلمية المعتمدة عالمياً. واستغرق عمل فريق التصوير المتخصص اكثر من سنة كانت بمثابة مغامرات مضنية وخطرة للوصول الى هذه المغاور المنتشرة في مختلف ارجاء الوادي ونطاقه. وهذا العمل المضني يتطلّب ارادة وعزماً وصلابة وايماناً لتحقيقه وسط ظروف طبيعية قاسية، وفي ارض وعرة محفوفة بالمخاطر. وانتظرنا تعاقب الفصول للتصوير المتنوّع وفي اوقات كنا ننتظر انخفاض منسوب المياه لنتمكن من دخول بعض المغاور. وأنجزنا التصوير ليغطي الفيلم عينات من كل انواع المغاور الاستغوارية أو تلك التي هي ذات طابع روحي أو مدافن أو ذات خصوصية جمالية طبيعية فريدة، أو التي سكنها اهل الوادي.
ويضيف طوق: “هذا الفيلم هو الاول من نوعه في لبنان يستوفي هذه التقنيات الفنية الحديثة، ويوثّق حضارة مفقودة مندثرة بمرور الزمن وعوامل الطبيعة وإهمال البشر. ويحول ماضينا وثيقة سمعية بصرية للمستقبل، مطلقاً صرخة لحاضرنا المظلم، بالقيّمين عليه، لنستعيد بهاء الماضي بروح المصالحة والإيمان والسلام.
وأشار طوق الى انّ الفيلم سوف يعرض في مهرجانات الافلام المماثلة التي تقام في فرنسا وايطاليا واميركا وسواها، وذلك بعد انجازه وتقديمه الى مسؤولي هذه المهرجانات وموافقتهم بالطبع على عرضه. وأوضح ان العرض الاول للفيلم سيكون في الكرسي البطريركي في الديمان في آب المقبل بحضور رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، الذي يعطي دفعاً ايجابياً كبيراً لمشروع المسح الثقافي الشامل لتراث الوادي المقدس، والبطريرك الكاردينال الراعي المؤتمن بوفاء على زمن قنوبين، والكاردينال صفير وسواهم من الشخصيات المهتمة بهذه المسيرة.
المنسّق التنفيذي لمشروع المسح الثقافي لتراث الوادي، كاتب سيناريو الفيلم، جورج عرب تحدث عن مضمون الفيلم والرسالة المرجوة منه، وقال: “يعتبر كشف مغاور ومحابس ومعالم الوادي المقدّس من اصعب برامج مشروع المسح الثقافي، وقد تحقق، محفوفاً بالمخاطر، بصبر وارادة وعزم وتسلّح بالايمان ليكشف صفحات مغمورة من تاريخ عابق بروحانية نسكية هي اساس هوية الكنيسة الروحية، وليبرز من خلال الأثر العمراني مسيرة شعب الوادي المقدس ودعوته القائمة في عيش الفقر والصلاة، وهذه هي رسالة الفيلم الموجّهة الى العالم بالعربية والانكليزية والفرنسية والاسبانية والبرتغالية.
ويضيف عرب بداية سيناريو الفيلم كلمة البطريرك الراعي ورسالة فارس الهادفتين الى تعزيز هذا البُعد وتعميق الالتزام به. أمّا اختتام الفيلم فهو خلاصة الرسالة البعيدة لمشروع المسح الثقافي الشامل لتراث الوادي، ان يدرك المسيحيون فرادة هويتهم، وعمق ارثهم الروحي، وهذا الادراك هو شرط بقائهم وجوداً ودوراً وحضوراً، وان يصغوا دوماً الى أجراس الوادي المقدّس التي قرعت لأول مرة سنة 1112 في دير قنوبين ولا تزال، وليعوا ان التحدي الأكبر عليهم أن يحفظوا هذه الأجراس تقرع بصوت مسموع.