كلام البطريرك
يختصر الكلام الأخير للبطريرك صفير يا اخوان، الطريق والكلام وعلامات الاستفهام والإبهام، ويدلّ في اللحظة المناسبة والمكان المناسب، والساعة السمّاعة واليوم المنتظر إلى أنّ مصائر الأوطان لا تحتمل أنصاف الحِكَم ولا أنصاف الحلول، ولا الوقوف تحت عباءة الحياد العاري في عزّ موسم البرد والشتاء.
خرج موقفه متدثّراً عباءة الموقف الوطني الجامع والدافئ، وليس الطائفي أو المذهبي أو المناطقي. وخرج واضحاً في موضع لا يحتمل الغموض ولا التورية ولا الاستعارات العامّة والمصطلحات غير المباشرة. فذلك كله يُستخدم لفضّ نزاع بين مختلفين وتوحيد جهود منقسمين، وإعادة لمّ شمل متفرّقين، وتقريب متباعدين تحت سقف بناء قائم، لكن إذا تهدّم البناء أو تهدّد بالفناء، لا يعود ينفع في شيء.. وحينها يصير البكاء على الأطلال أجدى من كل موعظة حسنة ولو كانت مسبوكة بكل ما في الدنيا من نيّات طيّبات، ومشاعر ودّ وتجرّد لا تحتمل أي شائبة.
… ليس هيّناً ما جرى في 7 أيار وبعده لجهة عودة الروح إلى نغمة الشماتة ولغة الكيد، وإلى الممارسات المولودة في زمن الوصاية والأوصياء، وإلى إعلان التدخّل مباشر وبالواسطة في شؤون يفترض انّها داخلية لبنانية، وليس هيّناً كل ذلك الاستبسال في تعرية الألفاظ وكشف الأفعال خدمة لمصالح الشقيقة العتيقة، وليس هيّناً كل ذلك الاستئساد على السياديين والاستقلاليين تحت ألف حجّة وستار، وليس هيّناً عدم التورّع الفظّ عن إعلان نيّات غريبات تخصّ مستقبل لبنان واللبنانيين بالنيابة عنه وعنهم في حال سيطرت مجموعات 8 آذار على الشرعية بالانتخابات، بعدما سيطرت بالسلاح على الشارع وشرذمته إلى زواريب.. ليس هيّناّ ذلك التطاول المستفحل على كل مقوّمات الكيان والدولة لحساب أطماع الخارج حيناً وهوس السلطة المتحكّم بـ"أنا" البعض في الداخل حيناً آخر، وليس هيّناً أو بسيطاً إفتراض البعض انه يقدر حينما يشاء وكيفما يشاء على التعرّض لرأس الدولة ومؤسساتها واستسهال التطاول عليهما من دون رادع أو وازع لا ذاتي (أخلاقي) ولا عام (قانوني قضائي). وليس هيّناً أو بسيطاً إستمرار البعض في غيّه المتأتي من تحريفه مضمون الوكالة التي أعطيت إليه، وتزوير إرادة مَنْ أوصله إلى ما هو عليه، وتشويه مشاعرهم وسياساتهم وإرادتهم خدمة لمبتغاه وهوسه، وليس هيّناً على الإطلاق استسهال التعرّض للكنيسة ورأسها في كل حين، لأنها تقول قولاً جامعاً موحِّداً حريصاً على الناس كلهم وليس على فئة دون أخرى أو صوت دون آخر، ولأنها راعٍ صالح لا يقبل أن تعوّي الذئاب على رعيّته في كل حين، ولأنها لا تريد شيئاً خاصاً بها، ولا وزيراً أو نائباً أو ضابطاً أو موظفاً أو مديراً، بل تريد أن ترى وطنها وليس منطقة منه، وأهلها وليس فئة منهم، فوق الجميع وقبل الجميع. ليس هيّناً أو بسيطاً أن يفترض المفترسون أنّ الوليمة صارت جاهزة وأنّ صولة فرسان ثورة الأرز تكاد تخبو، وأنّ العودة إلى زمن الوصاية صارت ممكنة بفعل اختراقات بيّنات في العمق الوطني.
… لأن ذلك كله يدقّ في هذه الايام، جاء الراعي الصالح ليعيد الاعتبار إلى الحق والحقيقة والوطن وأهله.. ورحم الله مَنْ قال يوماً: كلام البطريرك، بطريرك الكلام، والسلام.