ما إن انتهت الحرب الطائفية التي استمرت، في لبنان، أربعة عشر عاماً (1975-1989) عايشها جيلنا وذاق ويلاتها ومآسيها، حتى أسرع معظم القادة السياسيين، في هذا البلد، الى السعي الحثيث لإلغاء الطائفية السياسية، من دون أن يدركوا أن إلغاءها لن يكون بتغيير الدستور والقوانين الطائفية فحسب، بل بالتنشئة والتربية والتعليم والإعلام القائم على أن “الدين لله والوطن للجميع”، فسارعوا الى وضع دستورٍ جديد دعي “دستور الطائف” بالنسبة الى البلد الذي اجتمعوا فيه لكي يتآلفوا، بعد خصام مرير، فاجترحوا المواد (الثورية) التالية:
البند (ح): من مقدمة الدستور، وجاء فيه: “إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية”.
ومن خلال هذه “الشرعة الأساسية” في الدستور الجديد، انبثقت المواد التالية:
المادة 22: وفيها “مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي، يستحدث مجلسٌ للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية، وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية”.
المادة 24: “… والى أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، توزع المقاعد النيابية وفقاً للقواعد الآتية:
“أ – بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين…” …. و”ب – نسبياً بين طوائف كل من الفئتين”.
وأخيراً: المادة 95 التي نصت على ما يلي:
“على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية إلخ…”. وضمن هذه المادة، وفي “المرحلة الانتقالية”: “أ – تمثيل الطوائف بصورة عادلة، في تشكيل الوزارة” و”ب – تلغى قاعدة التمثيل الطائفي.. باستثناء وظائف الفئة الأولى وما يعادلها”.
وقد ورد، في مواد هذا الدستور، ما يتناول الشيء ونقيضه، مثل: مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي، يقابله مجلس شيوخ طائفي (المادة 22)، وقانون انتخاب خارج القيد الطائفي، يقابله: توزيع المقاعد النيابية بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين (المادة 24)، وإلغاء التمثيل الطائفي، يقابله: تمثيل الطوائف في تشكيل الوزارة (المادة 95).
من خلال المواد المذكورة، والتي تعتبر، بحق، ثورة في المؤسسة التشريعية بلبنان، نجد أن عنواناً واحداً تم تحقيقه من جملة العناوين “الثورية” التي تضمنها “دستور ما بعد الحرب الأهلية” وهو: توزيع المقاعد النيابية بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين (المادة 24)، وأما المواد الأهم التي تتضمن تغييراً جذرياً في مسار الحياة اللبنانية لأجل خلق وطن لا طائفيٍ ومواطنٍ حضاري ومسؤول، فقد ظلت في خانة المهملات، إذ لم يسعَ نوابنا (السابقون والحاليون)، منذ انتهاء الحرب ووضع الدستور الجديد موضع التنفيذ، الى انتخاب مجلس نواب “على أساس وطني لا طائفي”، بحيث يكون هذا المجلس سبيلهم لانتخاب “أول مجلس للشيوخ” تتمثل فيه “العائلات الروحية” وتنحصر صلاحياته “في القضايا المصيرية”.
لم يثر الدستور الجديد الذي صدر بعد حرب أهلية استمرت أربعة عشر عاماً، أي اهتمام بين المواطنين الذين أرهقتهم تلك الحرب، بينما تناسى المسؤولون آلام الحرب وعذاباتها، فعادوا الى سيرتهم الأولى، وتناسوا أنهم هم، أنفسهم، الذين سنّوا هذا الدستور، ما يعني أن الفكر الطائفي لا يزال هو المهيمن على عقول واضعي هذا الدستور، رغم سنوات الحرب الطويلة الدامية التي خاضتها الطوائف اللبنانية، في ما بينها.
وقد تناسى مؤسسي الدولة اللبنانية الحديثة، ما بعد الطائف، أن إلغاء الطائفية، في الكيان اللبناني الممزق والمدمى، لا يتم بهذا الشكل البسيط، بل يتطلب إعداداً وتحضيراً طويل الأمد، في التنشئة والتربية والتعليم والإعلام، بحيث توضع مناهج تربوية وتعليمية وبرامج إعلامية، تلقن الأم كيف تنشئ أطفالها، والأب كيف يعلم أبناءه أن التعصب الطائفي والمذهبي مرض قاتل، يدمر البيوت والمجتمعات والأوطان، ويقدمون لأطفالهم نماذج من الحرب الأهلية اللبنانية، شواهد على ذلك. لم يحدث ذلك أبداً، بل اكتفوا بأن وضعوا “دستور الطائف” وأداروا ظهورهم له، آملين أن يتحرك الدستور، لوحده، لكي ينشئ أجيالاً لبنانية تعتبر التعصب الطائفي والمذهبي العدو الألّد للمواطنة الحقيقية.
وهكذا، وبعد نحو ربع قرن على انتهاء الحرب الأهلية ووضع هذا الدستور، رأينا أنفسنا، نحن اللبنانيين، قد عدنا الى سيرتنا الأولى، كأن لم تحدث حرب بين الطوائف اللبنانية كان لا بد أن تفرض هذا التغيير المصيري في الدستور، مع تغييرٍ جوهري في أساليب التنشئة والتربية والتعليم والإعلام ومضامينها، بما يتوافق مع الدستور ويساعد على فهمه وتطبيقه، بل عادت الحياة، في لبنان، الى سابق عهدها الذي كان سائداً قبل تلك الحرب.
إن ما نشهده، اليوم، في لبنان، من تجاذب بين الطوائف والمذاهب، حول مشاريع القوانين المطروحة للبحث في قانونٍ للانتخابات النيابية المقبلة، يدل، ولا شك، على تناسٍ (متعمد؟) للمواد 22 و24 و95 من الدستور، وذلك نتيجة إغفال معظم المسؤولين الإعداد الصحيح لهذه الانتخابات، وفقاً للدستور المعتمد حالياً، والذي أهملت مواده الأساسية خلال هذه الفترة الطويلة من الزمن، والأسئلة المهمة والكثيرة التي يمكن طرحها، من قبل أي لبناني، هي:
– لماذا أهمل معظم المسؤولين في لبنان، وعلى مدى نحو ربع قرن، تنفيذ مواد الدستور المشار إليها، ما جعلهم يقعون، اليوم، في الإرباك الطائفي والمذهبي المشهود، وهو ما نسمع، اليوم، ضجيجه الصاخب، في الإعلام؟
والجواب عن هذا السؤال، يتلخص، بما يلي: إنه المرض نفسه، الطائفي والمذهبي، الذي يُسمع ضجيجه اليوم، وكل يوم، الى أن يستدرك الحكم، في لبنان، أخطاء السلف، فيقدم على معالجتها بقصد الخلاص منها، ولا يكون ذلك إلا بالعودة الى الدستور، وتطبيقه، بكل أحكامه ومواده، وأهمها المواد الثلاث السالفة الذكر، مع ما يجب أن يرافق ذلك من إعدادٍ وتحضير شعبي في التنشئة والتربية والتعليم والإعلام، وفق خطة مدروسة وممنهجة ومحدودة الأمد، وسبيل ذلك هو تنفيذ المادة 95 بحذافيرها، (بعد أن نفذت الفقرة الأولى منها، وهي انتخاب مجلس النواب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين) ويكون ذلك على الشكل التالي، (وفقاً لما ورد في نص المادة 95 نفسها):
1 – يعمد رئيس الجمهورية (الرئيس ميشال سليمان بالذات، وهو الرئيس المؤهّل لهذا العمل الطموح والنبيل)، الى تشكيل “الهيئة الوطنية” (المنصوص عنها في المادة نفسها) برئاسته، والمشكلة من “رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء وشخصيات سياسية وفكرية واجتماعية”.
2 – تدرس هذه الهيئة الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية، وتقدمها الى مجلسي النواب والوزراء، وتتابع مهمة تنفيذها.
3 – بعد أن يقوم مجلسا النواب والوزراء بدرس الاقتراحات المقدمة من “الهيئة الوطنية”، يتم إلغاء “قاعدة التمثيل الطائفي” ويعتمد “الإختصاص والكفاءة” في الوظائف العامة والمؤسسات على اختلافها، بما في ذلك “وظائف الفئة الأولى”، و”دون تخصيص أية وظيفة لأية طائفة”.
4 – يتزامن، مع هذا العمل، حملات دعائية، في مختلف وسائل الإعلام، تشرح مضار التعصب الطائفي، وتدعو الى مؤازرة الدولة، في مجال إلغاء الطائفية، وتهذيب المجتمع اللبناني وتدريبه على قبول الواقع الجديد حيث يتحقق الشعار الوطني “الدين لله والوطن للجميع”.
5 – تجري الانتخابات النيابية القادمة على هذا الأساس، بحيث يكون المجلس النيابي القادم أول مجلس نيابي لبناني منتخب “لا طائفياً”، ويكون انتخاب مجلس الشيوخ (وفقاً للمادة 22) أولى مهامه.
ربما يعترض قائلٌ إن الوقت لم يعد يسمح بمثل هذه العملية قبل الانتخابات التشريعية القادمة، والردّ على ذلك أن الوقت يسمح إن أردنا، فإرادة الشعوب تصنع المعجزات. ثم أننا، إن أغفلناها اليوم، فلن نصنعها مستقبلاً.