جلس الرجل الى غضبه وادّعى عكس ذلك. قال الكثير الكثير، لكن وفي نهاية الخطاب الطويل الرنان اكتشفنا انه لم يقل شيئا! ركن الى الاصبع اياه، التهديد، المباشر حينا غير المباشر أحيانا، لكنه حاول أن يبلله هذه المرّة ببعض طرافة. لكن ما ظبطت معه…
جلس السيد الى “بلازماه” يخاطب الاشباح، جلسائه، يحفر في عقلهم وقائع وكلمات لم يقع منها حرف على الارض، بل انحفرت آيات في لاوعيهم الناشط. هذه حاله كلما أطلّ. فرقعت له سماء الضاحية، نعم سماء الضاحية وحدها، اذ صار للسماء عندنا حدود على مقياس الزعماء، وواضح ان سماء الضاحية الى ضمور في مساحة الاعجاب والتأييد الاعمى لخطابات زعيم المكان…
لم يتغير شيء من مضمون الكلام، ما زال الرجل ينطلق من غريزة الانتقام وفضيلة التهديد حين يقتضي الامر، وان كان التهديد مبطنا بالنكتة “حكومة من دون حزب الله لن تتشكل”. ثم اقترح مبتسماً وبان صفّ اللؤلؤ “بقترح أنو يكون وزراؤنا من الجناح العسكري بالحزب”! اذن مرت الفكرة الاساسية، لن يسمح بتشكيل حكومة ما لم يكن هو آمرها الناهي والا؟… تعرفون بالطبع من دون أن يقولها، هو مستعد عند كل مفترق لـ 7 آيار أشد مجداً بعد من الذي سبقه.
من أول الخطاب وحتى نهايته وهو يؤكد بين السطر والسطر، انه غير مبال بالقرار الاوروبي لناحية ادراج الجناح العسكري في الحزب على لائحة الارهاب، على أساس انه “قصقوصة ورقة ومن كم سطر”، لكنه وفي الوقت نفسه، ولاكثر من مرّة، طالب وبالحاح الاوروبيين بالعودة عن هذا القرار “الظالم بحق المقاومة”!!
وباللغة الخشبية اياها المفعمة بالكبرياء الفارغ، اعتبر ان كل داعم لهذا القرار هو عميل نتنياهو!! طبعا لم يكن بين الحشود رجالاً ليسألوه مثلاً، عندما أعلنت الفرح انت ونتنياهو عند “الانتصار” الدموي المفترض على الشعب السوري في القصير، وعندما يدعم نتنياهو كل ما تفعله في سوريا ضد الشعب، هل تكون عميلاً أم ان للعمالة هنا معنى آخر، أو لعلها مبررة في هذه الحال؟!
الاكيد انو الصراخ بالاصبع والتأكيد على ما لم يعد مؤكدا على الاطلاق خصوصا حين يدّعي ان “هذه المقاومة تكسب صدقيتها عند الناس في لبنان والعالم العربي والإسلامي والعالم بفعل تضحياتها وصمودها ولم تتراجع أو تنكفيء أو تنهزم”، وهو على يقين تام ان هذه “المقاومة” صارت عبئاً قاتلاً يجثم فوق صدر الوطن ويقطع أنفاسه، ويقضم رويداً رويداً شرايين الامل والحب والكرامة فيه، وبالتالي تحولت الايقونة الاسلامية الى ميليشيا داعمة للظالم والقاتل بنظر العرب والعالم…
جلس الى غضبه وادعى العكس، قال ان قرار الاتحاد الاوروبي “تافه ولن يستطيع تحقيق اي من اهدافه” ودعاهم ”ليبلو القرار ويشربوا ميتو”، لكنه عاد وكرر الطلب الذي بدا أحيانا وكأنه طلب استرحام، بالتراجع عن هذا الخطأ “لأنه لن يؤدي الى نتيجة”، مدعياً ان الحزب لا يحتاج لا الى السفر الى اوروبا ولا لاستثمار أمواله لديها، موحياً انهم جمعية انسانية تعيش على الهبات!!
أبعد من كل ذلك السخف والرياء في الموقف، نعترف ان وقع الكلام جاء سيئاً جداً علينا، ليس لاننا نخاف، وان كنا نفعل هلعاً على الارض، ولكن لاننا أدركنا ان مع شريك كهذا، تلك الجمهورية التي نحلم بالحصول على أدنى مقوماتها، جيش واحد وكرامة عالية، لن ننالها على الاقل في المدى المنظور، وان حصل وحصل، فستكون أنقاضا على أنقاض…

أن تؤدي المهزلة كل مرة وتتوقع من ذات الجمهور أن يتفاعل معك فهذا قعر الإفلاس.