لكن ما تعمّد السيد نصر الله عدم شرحه في خطاب الأمس، هو السبب أو جملة الأسباب التي استندت إليها 28 دولة، (دولة تنطح دولة)، لها مجتمعها ورأي عامها ونوابها ومجالسها الرقابية التي تنتقد وتُحاسِب أي قرار متسرع وأي خضوع (إن وُجد)، مكتفياً بالتذكير أنه “اذا كان أحد في لبنان يريد أن يفرح بالقرار فليخبئ فرحه لكي لا يكون هو ونتنياهو فرحين في الوقت نفسه”، متناسياً سماحته حفلات البقلاوة التي وُزِّعت في الضاحية لحظة احتفال “تل أبيب” بسقوط القصير تحت ضربات “حزب الله”، هذا النصر الذي أفرح نتنياهو بقدر ما أفرح جمهور “مقاومة الاستكبار العالمي” وربما أكثر، وفقاً لجملة تحليلات أو إسقاطات سياسية جعلت إسرائيل تعتقد، أن “تباشير القصير” ستكون المُشجِّع الأول للقرار الأوروبي الذي أًعلِن رسمياً بالأمس، بعد نشر صورتين شمسيتين للمشتبه بهما بتفجير الباص في بلغاريا.
فمن المؤكد أن الدول هذه التي من ضمنها فرنسا التي استضافت “حزب الله” كسائر المكونات اللبنانية في حوار “سان كلو” الشهير (Rencontre Interlibanaise de la Celle Saint-Cloud juillet 2007)، أم المانيا التي رعت مرتيّن عملية تبادل الأسرى كوسيط محايد ما بين “إسرائيل” و”حزب الله”، وبلغاريا التي رفضت اتهام الحزب عشوائياً قبل امتلاك صور وخيوط متعلقة بعملية تفجير بورغاس، ما كانت لتأخذ بالرغبة الإسرائيلية وفكرة الفصل ما بين الجناحين البريطانية المنشأ، لولا مجموعة من العراضات والإخفاقات والانزلاقات التي أسقطت عن هذا التنظيم، الحصانة الشعبية العابرة للحدود التي تعاطفت معه في العام 2006 لحظة أقدم على أسر جندييّن وأشعل حرباً ضروساً كلّفت ما كلّفت من خسائر بشرية وساهمت في شكل أساس في هِجرة الكثير من الأدمغة ونتج عنها تدمير اقتصادي دفع ثمنه لبنان بأسره.
على الرغم من ذلك كله وعلى الرغم من الـ”لو كنت أعلم” الشهيرة، وقف لبنان بمسلميه ومسيحييه ومعه الشارع العربي بشبه الإجماع، رافعين صور السيد نصر الله الذي صمد 33 يوماً في وجه لواء غولاني الذي لا يُقهر. لكن استعراضات الحزب العسكرية في الداخل اللبناني منذ 7 أيار “الدموي المجيد” مروراً بعراضة القمصان السود التي قلبت موازين الحكومة اللبنانية رأساً على عقب ولم تزل، وعدم تسليم الحزب للمتهمين الأربعة بجريمة 14 شباط 2005 وفقاً للقرار الظني الصادر عن أعلى مرجع دولي في العالم، ناهيك عن إشكال “الأهالي” الذي حصل في عيادة الطبيبة إيمان شرارة، ومن ثم رفض تسليم محمود الحايك، المشتبه به بمحاولة إغتيال النائب بطرس حرب ومن ثم محاولة إحراق تلفزيون الجديد المصوّرة، وإلى ما هنالك من إخفاقات لا تتسع لها صفحات، جعلت منه عرضة للشبهات ربما، وساهمت بشكلٍ غير مباشر في تشجيع دول الاتحاد الأوروبي على ما أقدمت عليه.
لا يستطيع “حزب الله” لعب دور الضحية دائماً وأبدا، فهو من توعَّد الإسرائيلي بالرد القاسي على اغتيال القيادي في الحزب عماد مغنية في الزمان والمكان اللذين يراهما مناسبين لحظة ورود خبر اغتيال مغنية وقبل تشييعه، مستبقاً كل التحقيقات التي تعهد وزير الخارجية السوري وليد المعلم بنشرها ولم تزل طيّ الكتمان، وأيضاً لحظة يُكتشف أنه أرسل 90 عنصراً ليشاركوا في تحرير العضو في “حزب الله” سامي شهاب من السجون المصرية، وهو المتهم بقضية “وادي النطرون”، ولحظة تكشف قيادته بنفسها عن دوره في كوسوفو والهرسك والبوسنة، ولحظة يُجاهِر علناً بالتورط في لعبة الدم السورية دفاعاً عن نظام أسدي بائِد قتل من الأطفال ما قتل.
لا شك أن “حزب الله” اختار عن سابق تصور وتصميم سياسة “الرقص مع الشياطين”، مفضلاً خيار العسكرة على خيار اللبننة والانخراط في الشأن السياسي كسائر القوى اللبنانية التي تخلت عن سلاحها بعد انتفاء مبررات وجوده، لا سيّما بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 والسوري عام 2005، وحرب تموز التي استجلبت القرار الدولي 1701 الذي أراح الحزب كثيراً. كان بإمكانه معارضة الثورات أو تأييدها سلمياً على غرار كلّ الأحزاب اللبنانية، من دون الغوص في أنهارها الحمر، ما شجّع أهل “اليورو” على الأخذ بنظرية نتنياهو، وربطها بجملة من المعطيات والأدلة والبراهين، كان أولها الكشف عن صور وأسماء المتورطين في جريمة بورغاس.
صحيح أنه لا يُمكن فصل الجناح العسكري عن الجناح السياسي، أو فصل الجناحين عن بيئتهما الحاضنة، وفصل البيئة المؤيدة لهذا الحزب عن غير المؤيدة، لكن الصحيح أيضاً أن من واجب أي لبناني أن يُصارِح وينتقد من باب الحرص، وبإمكانه أن يُعارض ما يفعله هذا الحزب منفرداً ومن ثم تأتي فاتورته الأمنية، السياحية، السياسية، الاجتماعية والاقتصادية على جميع اللبنانيين… من دون أن يكون هذا المُعارض حليفاً للعدو نتنياهو.