تتبارز الجهات الرسمية اللبنانية والأممية المعنية بملف اللاجئين السوريين الى لبنان في تخويفنا مما هو تحصيل حاصل، اذ لا يحتاج أي لبناني في أي قرية أو بلدة أو مدينة الى من يفتح عينيه على أن الوافدين الأشقاء في ربوعنا باتوا أكثر من ثلث عدد المقيمين والحبل على الجرار. والحال أن مشكلة المشاكل في تناول هذا الخطر المتعاظم تتمثل أولاً في تجنب إظهار أي عنصرية حيال ما ينوف على مليون لاجئ رمى بهم نظام بشار الأسد في عراء التهجير ومذلة اللجوء الى لبنان وما يفوق الأضعاف الأربعة الى دول الجوار الأخرى. فإن راح اللبنانيون في التهويل والنواح على الإغراق البشري الذي لم يعد لبنان يتحمله وهو المبتلي أصلاً باغراقات فلسطينية وسواها تراهم ينزلقون الى التجريح العنصري بضحايا يكفيهم ما ألحقه بهم الطاغية، وان صمتوا يجدون أنفسهم يوماً أمام تهديد كياني لن يوفر هويتهم نفسها. ولعل أقل الإيمان وسط هذه الكارثة الوطنية العارمة والزاحفة أن نتساءل عن سر منع الحكومة الحالية التي لم تسبقها أي حكومة أخرى في توريث هذه المعضلة عن الأخذ بخطة وضعها وزير الداخلية قبل أكثر من سنة، وها هو الوزير “بعظمة لسانه” يؤكد قبل يومين أنها تضمنت إقامة مخيمات عملاقة وأسقطت خطته في مجلس الوزراء؟
أتراه التمديد الإداري القسري لقائد الجيش يفوق بخطره ملف اللاجئين لتقوم الدنيا ولا تقعد ولتفتح ملفات وملفات على وقعه، ولا من يسأل أو يحاسب لماذا منعت الحكومة ومن منعها ولأي أهداف من التصدي المبكر لاغراق لبنان بهذا الخطر الفوق كل قدرة متصوّرة على الاحتواء؟ ثم أين كان الصامتون آنذاك ولماذا لا تكشف الأسباب والتعليلات الرسمية والسياسية والأمنية التي جعلت قضية اللاجئين الآن في مرتبة الرعب الوطني والقومي إذا صحّ التعبير؟
هل من غشت ذاكرته طبقات النسيان وبات تذكيره واجباً باتفاق القاهرة الذي فجّر الحرب اللبنانية؟ وترانا أمام فصل محدث من المزايدات والتمريرات والأنانيات وقصر النظر لئلا نقول المؤامرات؟ ومن يحاسب من؟ أم ترانا لن نستلحق أي محاسبة في بلد فطر على تجاوز المحاسبات التاريخية لأن آثار النكبات الكبرى ومفاعيلها المدمرة كانت دوماً أسرع من أي مساءلة؟ وإلى متى يؤخذ الناس بنجوم افتعال المعارك الصغيرة وإثارة الغبار لطمس المسؤوليات التاريخية عن الكبائر؟
إن أخشى ما نخشاه وسط هذا العقم السياسي غير المسبوق هو أن يكون الفراغ الزاحف في الدولة الستار التآمري فعلاً لدفع اللبنانيين واللاجئين الضحايا الى حروب جوّالة تغرق البلاد في فوضى حرب عنصرية، لن يحتاج بعدها لا النظام الأسدي ولا إسرائيل نفسها الى اي وسيلة ممتازة أخرى لإلحاق لبنان بالجحيم الإقليمي.
فهل يتسع كابوس كهذا لاهتمامات “كبار” هذا الزمن؟
رعب اللاجئين… متى الحساب؟
المصدر:
النهار