… اترحم علين !
يوم الثلثاء الماضي تقصَّد مار مارون ان يجلس في مكان ملائم لمراقبة أهل الدولة والسياسة الذين جاءوا الى مطرانية بيروت لحضور القداس الذي اقيم في عيده.
وعندما راح المطران بولس مطر يتلو عظته التي ركز في خلالها على أهمية التعاون والتفاهم بين مختلف الافرقاء اللبنانيين، وخصوصاً في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة عشية الانتخابات النيابية، التي تنزل على لبنان كزلزال يزيد من الانهيارات والتصدعات بدلاً من ان يكون مناسبة للتنافس على الأفضل والأقدر والأخلص والأكثر شفافية.
عندها لم يتمالك مار مارون الجاد والمقطب عادة نفسه، فكاد ان يقهقه ويقول: على من تقرأ مزاميرك يا سيدنا بولس؟
❐ ❐ ❐
كان رئيس الجمهورية ميشال سليمان جالساً في الوسط متقدماً الحضور الذي احتشد في جو التكلّف والحساسية، وخصوصاً بعدما لاحظ الجميع ان السلطة التشريعية لم تصافح السلطة التنفيذية. بما يعني ان الجسور المقطوعة بين الرئيسين نبيه بري وفؤاد السنيورة قد أوقعت الحضور والجمهور ايضاً في مزيد من الاحباط والتشاؤم، على خلفية الحقيقة البائسة التي نعرفها جميعاً وهي أننا لسنا اكثر من رعايا في "دولة تخشيبة" ترفع لافتة كتب عليها: كلما داويت جرحاً سال جرح.
ولا ندري من أين سيأتي سليمان الرئيس، بالمخارج او الحلول لمسألة الفروق الرقمية الشاسعة بين ما يطلبه الرئيس بري لموازنة مجلس الجنوب اي 60 ملياراً، وبين ما يوافق عليه الرئيس السنيورة وهو 25 ملياراً وهو المبلغ الذي اقترحه سليمان كتسوية!
❐ ❐ ❐
واذا كان الرئيس سليمان قد اقترح مهلة 10 أيام لايجاد حل لهذه المشكلة الكأداء، التي تعطّل اقرار الموازنة وتملأ سطوح الجمهورية الفاضلة بالغسيل الناصع جداً، فإن الفرق وهو 35 ملياراً فقط لا غير يمكن ان يتأمن عليم الله من آبار النفط التي تتدفق من وعود الوزير طويل العمر آلان طابوريان، وقد بشرنا بلبنان مشيخة نفط وبترو دولار ادام الله فضله. وهو بالمناسبة الذي أغرق اللبنانيين في المازوت حتى أذانهم. واهتدى بنعمة الله الى معجزة كهربائية عبر اقتراح تكبيد الخزينة شراء مولد جديد لكل حي باعتبار ان السياسيين جعلوا من شركة الكهرباء مجرد خردة، وان المناطق اللبنانية صارت من اعمال الجمهورية الفاضلة!
من اين سيأتي رئيس الجمهورية بحل لمسألة الـ35 ملياراً، على الأقل لكي يسرّ قلب مار مارون، وهو يرى مصافحة وابتسامة بين بري والسنيورة، وكم من الوقت يتطلب هذا الأمر؟.
❐ ❐ ❐
لسنا ندري ولكن مليارات مجلس الجنوب ليست العقدة الوحيدة التي تواجه هذه "الدولة التخشيبة"، التي تقف على حافة الانهيار منذ اسقطنا كل امكان للتفاهم والحل بين القبائل اللبنانية، عبر هرطقة اسمها "الديموقراطية التوافقية"، والتوافق هنا تحديداً أي في لبنان يعني التعطيل، لأن لا توافق بين النار والبارود. فالخلاف ليس على الملفات بل على لبنان وهويته ودوره واصطفافه وعلاقاته وحتى على فلسفة الحياة عينها فيه.
وإذا حنَّ قلب مار مارون وأرسل 35 ملياراً الى الرئيس سليمان، ثم الى مجلس الجنوب فكيف يمكن ان نحل عقدة الخلاف حول المجلس الدستوري الذي لم تكتمل عضويته بعد. وغداً لن يبقى مفلس واحد من المرشحين للانتخابات الاّ وسيدّعي انه سقط أو أسقط مثل كوز التين بسبب هزّ الأشجار والجيوب… والمسامير ايضاً؟
❐ ❐ ❐
وإذا أسعفنا الحظ وتم تشكيل المجلس الدستوري، فماذا نفعل بأزمة التنصت التي اتخذت في هذا "الزمن المستنير" قناعين يخفيان وجهاً بشعاً واحداً:
قناع الحق أي الضرورة الأمنية الوطنية التي تملكها الأجهزة الامنية وقد سعى بعض الشطّار الى القول انها باطل، متحججاً بالحرص على "حماية الناس" وكأن انكشاف اللبنانيين كان ينتظر هذه النباهة لكي يتوقف.
وقناع الباطل، اي محاولات التعمية على أعمال التعقب التي تقوم بها الأجهزة الأمنية. وقد حاول الشطّار القول إنها حق الحرص على عدم انكشاف اللبنانيين. ونحن عملياً في بلد مكشوف جداً يشبه جزر العراة!
نكتة الموسم في هذا السياق هي الحديث عن لجنة تحقيق برلمانية، لانه قياساً بالواقع المزري فان الأصدق هو الحديث عن لجنة اشتباك او تقاتل برلمانية لن يكون في وسعها الاّ زيادة الطين بلّتين بدلاً من بلّة واحدة!
أما عقدة العقد فإنها مثل صخرة عملاقة في طريق عربة منهكة. والأمر هنا يحتاج الى وقت وتبحّر وتبصير وإفاضة. فالحديث عن الحوار الوطني والاستراتيجية الدفاعية مسألة تمتد من واشنطن الى طهران مروراً بغزة والضفة ودمشق واخيراً بأنقره وبموسكو ذات الصلة. وربما سنحتاج الى اعادة تنجيد مقاعد الطاولة البيضاوية مرّة ومرّتين وأكثر قبل أن يصبح للدولة استراتيجية دفاعية تشكل مظلة يقف الجميع تحتها وينسّقون لا ان تنسّق هي معهم!
❐ ❐ ❐
ربما لأن مار مارون يعرف كل هذه الأمور والوقائع فقد اكتفى في عيده بان يراقب الحضور في مطرانية بيروت وقد كانت على رؤوسهم لعنة الانقسام. وان يطير الى عليائه وهو ينشد: (قاديشات ألوهو… واترحم علين).