المعارضة بـ"الوكالة" تهدد رأس الكنيسة وبطريرك لبنان؟!
بدأت الردود على تأييد البطريرك مار نصر الله بطرس صفير الكتلة الوسطية وتأكيده انها حاجة وطنية، وأن من أبرز إيجابياتها أن موقفها يميل كفة البلد في هذا الاتجاه أو ذاك ، هي وسط بين الاثنين"، وأن "بعض الاخطاء ربما تكون لها عواقبها الوخيمة، فإذا إنتقل الوزن الى 8 آذار و14 آذار لم يعد لهم وزن فإن هناك أخطاء سيكون لها وزنها التاريخي على المصير الوطني".
وقد يكون من بين أخطر الردود على كلام غبطته، ما صدر عن الرئيس السابق عمر كرامي "لأن كلامه انطوى على تهديد مباشر وواضح وصريح أيضاً للبطريرك صفير" ، وهذا أمر لافت وفي هذا التوقيت بالذات، ومن جهة "سُنيّة" في المعارضة بالوكالة عن حزب الله الذي لا يستطيع مهاجمة البطريرك بوضوح، ولأن حسابات رائدا الهجوم على البطريرك "حساسة" مسيحياً هذه الأيام!!
لماذا كرامي تحديداً ؟ ربما لأنّه في انتخابات العام 2005 سبق وتهجم على مفتي الجمهورية اللبنانية في سابقة كانت الأولى من نوعها بعد سابقة "سامي الصلح" التي هزت الوسط السنّي في زمنها. وبوضوح شديد قال كرامي: "إن أيّ رجل دين يكون فريقاً في (الانتخابات النيابية) يعرّض نفسه للانتقاد ولأمور كثيرة نتمنّى ألا تصيب أحداً من رجال الدّين" وزيادة في التوكيد على التهديد أضاف كرامي آسفاً"لأنّ رجال الدين يريدون ذلك فليتحمّلوا التبعة"!!
ولم يقل الرئيس السابق ما هي هذه "الأمور الكثيرة" والتي يتمنّى أن لا تصيب أحداً من رجال الدين ، ولا ما هي "التبعة"، وبالتأكيد التهديد يشمل ضمناً المرجعيات الدينية الأخرى و"السُنيّة" تحديداً!!
لم يسبق أن تعرّضت شخصيّة دينية تمثّل ضمانة وطنية لحملات مغرضة كتلك التي يتعرض لها رأس الكنيسة المارونيّة وبطريرك لبنان مار نصر الله بطرس صفير. فالهجمات على غبطته تأتي كأمواج متلاحقة، إلا أنها في كلّ مرة تتكسّر على صخرة موقف البطريرك الصلب. ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة ، ومن السذاجة بمكان أن نصدّق العناوين التي يطلقها مهاجمو غبطته تحت عنوان تدخل رجال الدين في الشؤون السياسية ، ولأن ذاكرة السياسيين قصيرة ، فهم ينسون غالباً ما قالوه في أمس قريب أو يتناسونه لأن مقياسهم الوحيد هو مصالحهم الشخصيّة الآنية لا مصلحة لبنان ، فيما بطريرك بكركي لا يبحث عن مصلحة آنية، فهمّه الأول مصلحة لبنان ومصلحة الشعب اللبناني ، ومصلحة القطيع المسيحي المشرذم وقد تعب القطيع من كثرة ما مزّق وحدته، ومع هذا لم يتعب وييأس منه الراعي بعد!!
نحتاج هنا إلى مشاهد مقارنة ليتأكد القارىء من عبث أصحاب المطامع في الجلوس على كراسي النيابة وميلهم كإمّعَة مع مصالحهم ولو آل الأمر إلى خراب البلاد..
العودة بالذاكرة إلى العام 2005 وانتخاباته أقرب إلى المشهد الحالي ، لأننا سنشاهد الأشخاص نفسهم كيف انقلبت مواقفهم من مع البطريرك في أيار العام 2005 ويومها لم يقل أحد للبطريرك "إن رجال الدّين يتدخلون في السياسة"، هم أنفسهم اليوم خائفون على كراسيهم أو من سقوطهم الانتخابي المدوّي وانحسار دورهم التعطيلي للبلد لحساب ارتباطاتهم وتبعياتهم الخارجية ، فهبّوا استعداداً لشن هجوم جديد على البطريرك!!
لماذا كرامي وليس حزب الله مثلاً؟ في العام 2005 كان رأي البطريرك الوطني في قانون الانتخابات موافقاً لتصريحاته الصارخة:"قانون الـ 2000 ظالم وجائر"!! أما الإجابة على السؤال فسهلة جداً، وللمصادفة ، سنجد على موقع بكركي الألكتروني رسالة بتاريخ 3 أيلول 2008 تطالب البطريرك بمنع القوات اللبنانية يقول مرسلها(مسيحي من أنصار التيار البرتقالي): "أذهلني زج صورة السيدة العذراء وصورة السيد االمسيح وحشرهما على لوحات إعلانية عائدة للقوات اللبنانية منتشرة على الطرقات مقرونة بعبارة "أنتم الأرزة ونحن خطها الأحمر".أذهلني مساواة صورة السيدة العذراء والسيد المسيح بصور بعض السياسيين اللبنانيين المسيحيين وأثار غضبي"..
الآن علينا أن نتأمل في حملات شُنّت لإسكات الأصوات المعترضة على مساواة رمز سياسي لبناني ديني للطائفة الشيعيّة ووضع صورته على مسبحة صلاة مع السيد المسيح والسيدة العذراء والقديسين، ولم يُكلّف أحد خاطره بتقديم الاعتذار إلى المعنيين ، وقد يُهاجم البطريرك ويُتهم باستغلال "السيد المسيح" لأنه قال: "عندما يضعون صور بعض الزعماء السياسيين وصور المسيح فهناك خلل طبعاً، صورة المسيح لا تقارن ولا توضع في موازنة أي زعيم سياسي".
أما في المشهد الانتخابي المقارن ، فنعود إلى أيار العام 2005 لأنه الأقرب، ولأن المشهد سيرسم لنا الملامح "العصبوية" الحالية في التعاطي السياسي مع بطريرك لبنان وكَيْل التهم له، لأن مصلحة لبنان ودولته الحريص عليها غبطته لا تناسب مصالح هؤلاء الفردية والأنانية..
في 11 أيار العام 2005 أصدر المطارنة الموارنة بيانهم الشهير :"وقد أعذر من أنذر".. فماذا كانت ردّة فعل الجنرال العائد ميشال عون مثلاً ، وهو خاض العام الماضي حرباً ضدّ البطريرك في محاولة لعزل بكركي ودورها المؤثّر، من باب الحديث عن انحياز البطريرك إلى فريق أو اتهامه بالتدخل في السياسة!! يومها، وأثر البيان الشهير ـ الذي أغضب سياسيين كثر ـ صرّح الجنرال العجوز قائلاً :"إنّها صرخة تنبيه من الذين يغارون على الوحدة الوطنية"!!
هكذا علّق عون على بيان المطارنة الموارنة الذي وصف قانون انتخاب العام 2000 بالظالم والجائر ولا يسمح للمسيحيين باختيار ممثليهم في المجلس النيابي".
وبُعيد صدور هذا البيان الاستثنائي لمجلس المطارنة ، صعد الجنرال إلى بكركي ينتقد "الحِيَل والغدر" على اعتبار أن قانون العام 2000 يفرض مرشحين هامشيين.. وفي يوم مشهود زحفت الوفود الشعبية المسيحية بإيعاز من رؤسائها السياسيين غاضبة من قانون العام 2000 ، يومها أطل غبطته على الحشود وخاطبها بعبارات مختصرة واضحة ومباشرة:"إنّ اتفاق الطائف اعطانا 64 نائباً وعلينا ان ننتخب 64 نائباً"، يومها ، لم يكن غبطته يتدخل في السياسة ، ويوم قال:"بات للمسيحيين زعيماً" بعد فوز ميشال عون صفقوا له طويلاً ، ولم يكن يتدخل في السياسة..