حدود الحياد البطريركي واعتباراته
إذا كانت الأهداف الاستراتيجية لتحالف قوى الأقلية النيابية احتفاظ حزب الله بترسانته العسكرية وربط لبنان بمحاور النفوذ والنزاع الإقليمية، وإذا كان، في المقابل، تحالف الأكثرية النيابة يرمي من خلال حركته السياسية إلى تعزيز سيادة لبنان ودولة القانون والمؤسسات، فإنه لا غضاضة ولا خجل من القول إن للبطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير موقفاً واضحاً يلتقي معه فيه الفريق الثاني.
ففي مثل هذه القضايا، البطريرك الماروني غير محايد على الإطلاق، كما أنه لم يكن محايداً خلال فترة الهيمنة السورية على لبنان، على رغم كل التهديدات ومحاولات الإحراج التي تعرّض لها، ابتداءً من رسائل نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام التي نقل إحداها، في 2 كانون الأول 1993، النائب السابق آنذاك بطرس حرب وفيها تهديد «بتكليف أحد أبناء الطائفة المارونية بالرد عليه»، ودعوة إلى «أن يلزم ديره ولا يتكلم في السياسة، ما شأنه في السياسة أصلاً؟»، وصولاً إلى اجتماعات خلية حمد وتظاهرات أصوليين رداً على نداء المطارنة الموارنة الأول.
وكذلك لم يكن سيد بكركي محايداً عندما واجه قانون الانتخابات النيابية سنة 2005، ودعوات إسقاط رئيس الجمهورية السابق العماد إميل لحود، وعقد جلسة انتخاب رئيس للجمهورية من دون نصاب الثلثين. وفي كل هذه المرات، كان أحد الفريقين يتّهم سيد بكركي بالانحياز إلى خصمه، أو بارتكاب خطأ فادح، ولكن، مع فارق أساسي هو أن انتقادات قوى الرابع عشر من آذار القاسية كانت تبقى بعيدة عن الإعلام، فيما رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون وحلفاؤه المسيحيون لم يتوانوا عن توجيه أقذع الاتهامات العلنية إلى البطريرك الماروني.
واقع الأمر أنه لا يمكن تصنيف البطريرك صفير أو البطريركية المارونية عموماً بالنسبة إلى الانقسامات الراهنة. أولاً، لأنها مستجدة، فيما البطريركية كمؤسسة لها خط تاريخي واضح، وثانياً، لأنها ظرفية، وتقوم على مصالح وتضارب مصالح محلّية وإقليمية ودولية، ومحكومة باعتبارات سياسية ومالية معينة، فيما المواقف البطريركية هي الوحيدة المتغيّرة بحسب الموضوع ومصلحة لبنان العليا. وبذلك، يكون الأصح إذا قيل إن هذا الطرف أو ذاك قد اقترب أو ابتعد عن الخط البطريركي.
بيد أن حيادية البطريرك الماروني سرعان ما تبرز عندما ينتقل الحديث من المسائل الوطنية المتعلقة بسيادة الدولة ومنطق الحق والمؤسسات، إلى الاصطفافات وتحالفاتها المحلية والإقليمية والدولية والتنازع على النفوذ في الوسط المسيحي. في هذا الأمر، البطريرك صفير على حياد تام باعتبار أن على لبنان، من وجهة نظره، عدم الدخول في سياسة محاور، سواء أكانت عربية أم دولية، وأن على الزعماء المسيحيين عدم موالاة أية جهة خارجية أو الالتحاق بها، أياً تكن هذه الجهة.
أما رأيه بالقيادات السياسية المسيحية الأساسية، فمعروف، وهو يتلخّص بما قاله الأديب الفرنسي شاتوبريان في النصف الأول من القرن التاسع عشر في وصفه نبلاء فرنسا العائدين من بريطانيا بعد سقوط نابليون: «إنهم لم ينسوا شيئاً، ولم يتعلّموا شيئاً، ولم يفهموا شيئاً». وبين هؤلاء الذين لا ينفكون يرفعون حدة الخلاف والخطاب السياسي سعياً وراء اجتذاب تأييد الناخبين للوائح معظم مرشحيها ممن يفتقرون إلى المهارات والقدرات التي تفترضها الندوة البرلمانية، فإن البطريرك صفير بالتأكيد على الحياد. إذ لا ينطلي على أحد أن التصعيد في الخطاب هو لتفادي تمكين الناخب من المفاضلة بين المرشحين على كل اللوائح، وحثّه بالتالي على الانتخاب للائحة هذا الزعيم أو ذاك، بغض النظر عن أهلية الأسماء في كل منها، وعلى هذا فقط يلتقي الزعماء المسيحيون.
وما يأمله سيد بكركي من المرشحين المستقلين هو أن يسهموا في تنفيس الاحتقان وتفادي المآزق الناتجة في كل مرة يختلف فيها الفريقان المتنازعان، وأن يقوّوا موقف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الذي تقع عليه مسؤولية اختيار مرشحين مستقلين في الحقيقة، يزيدون من رصيد العهد أكثر مما يستزيدون هم من رصيده.