14 شباط… المتدحرجة!
لم تكن التصفية الجسدية للرئيس رفيق الحريري كاستحضار لسلاح الاغتيالات السياسية، بعد 16 عاماً من اتفاق الطائف، أسوأ ما حملته وتحمله ذكرى 14 شباط قبل اربع سنوات فحسب، بل كان الاسوأ أيضاً ان حرب الاغتيالات أدخلت قسراً وبأفظع الوسائل الدموية مكوناً ثابتاً على النسيج الاجتماعي والطائفي والسياسي في لبنان تقدَّم كل مكوناته الطبيعية الاخرى.
فبصرف النظر عن ظاهرة التسطيح الكلامي الرخيص والمهين، الذي بات سمة فاقعة في خطاب سياسي متهالك ومتوتر يتناول قضية ضحايا الاغتيالات كأنها "مادة" في يوميات انتخابية قبلية، يسهى عن المثرثرين ان روزنامة ايام السنة باتت تضيق بذكرى شهداء من هنا وشهداء من هناك، في بلد مأزوم بالكامل بواقع كون صناعة السياسة فيه جُبلت بدماء الضحايا.
المجلس النيابي الحالي المتأهب بمعظمه لامتحان اعادة التفويض بعد اقل من اربعة اشهر يعكس بتركيبته هذا الواقع الدراماتيكي ولو نسي كثر من اعضائه مرات طبيعة المؤسسة التي يشكلون جزءاً من اسرتها.
بين 14 آذار و8 آذار ليس ثمة وحدة حال سوى واحدة نادرة تقريباً هي ان معظمهم اهل ضحايا وشهداء، ومعظمهم احتلوا عشرات المقاعد النيابية بفعل ارتدادات سياسية واجتماعية وطائفية لقوافل الضحايا، سواء كان هؤلاء قد سقطوا على درب التحرير او درب السيادة، فكلها دروب تشكل محطات دموية لدى شعب مأزوم بالاجتياحات والاحتلالات والاغتيالات فوق ازمته الدائمة في الانقسامات العمودية الحادة.
انفجرت هذه الظاهرة كما لم تنفجر مرة سابقاً في 14 شباط تحديداً لانها اقامت انقلاباً لم يستشعر الناس فداحته إلا لاحقا. ولا يتصل الامر هنا بصدمة التصفية المخيفة التي اتبعت في اغتيال الرئيس الحريري فقط، بل في اشعال حرب منهجية متتابعة ومتصلة الحلقات وبفوارق زمنية قصيرة، كان من مفاعيلها المدوية ان كل معايير السياسة في لبنان سقطت سقوطاً مدوياً أمام معيار الانفعال المزمجر والمتصاعد بصخب مواز لحلقات الترهيب الماضية نحو حصد الضحية تلو الاخرى.
المشكلة الخطيرة في الفوارق الاساسية بين 14 آذار و8 آذار هي ان الفريقين لم يجدا متسعاً للتبحر في مقاربة "ثقافة" وحدوية حيال الشهداء، قبل ان تنفجر في بيروت والجبل رحى بداية حرب اهلية. فالشهيد في حرب تحرير ومقاومة يُدرك عدوه ويعرف قاتله سلفاً. اما في حرب الاغتيالات فاشد العوامل خطراً هو الشك والمجهول – المعلوم في وجدان الناس. هذا الالتباس لم يقصر مفاعيله على "ثقافتين" من هنا وهناك بازاء "حالة الشهادة" عند الفريقين، بل تعمق الخطر بفعل خطاب منزلق لم يعد يقف عند حدود ولا يعرف الموانع والروادع وأضحى بمثابة آلة تحريض لا تقيم وزناً للشهادة نفسها ولا لادبيات تحرم الرشق على شهيد سواء في مواقع المعارك أو في مواقع الاغتيالات.
أُخذت الضحايا غيلة مرتين: مرة في الاستشهاد ومرة في اهانة التضحيات، ووقعت الواقعة مع مجتمع لا يعرف كيف يقوى بدماء ضحاياه. بطبيعة الحال، لا يجوز الاستهانة بما يرفعه كل فريق على مستوى انجازات السيادة والتحرير، بصرف النظر عن الانشطار الدائم بين مشروعين متناقضين للدولة والسياسة وكل شيء تقريباً. غير ان ذلك لا يطمس الاثر الخطير والعميق لتجاهل ما فعلته حرب الاغتيالات تحديداً في واقع السياسة اللبنانية. وليس أسوأ من الجرائم التسلسلية في هذه الحرب سوى الاستهانة بالانقلاب المتدحرج الذي لا تزال موجاته مفتوحة على مزيد.