#adsense

الفراغ والتفريغ يلتهمان الدولة والوطن

حجم الخط

إنه الفراغ… بات يتجاوز المواقع الفردية موقعا بعد موقع، ليتسلل، ومن ثم، ليقتحم المؤسسات العامة، مؤسسة بعد مؤسسة، فإذا به نهجا مبرمجا ومعتمدا من جهات سياسية وحزبية معينة، تحتل بالتفريغ المشغول، كل فراغ هيأته لها الظروف والمهل الدستورية والمدد القانونية الحافلة بالتناقضات والغموض وترك المجالات مشرعة الأبواب على الغارب لكل المتلاعبين والمتمردين والساعين الى فرض الأمر الواقع على كل المؤسسات وكل المواقع، في الوقت الذي يتم فيه، تحذير رئيس الحكومة المكلف من أي تأليف لحكومة ما أسموه حكومة «الأمر الواقع»، بينما الأمر الواقع الوحيد الذي بدت لنا صوره ومعالمه ومراميه يتمثل بالأمر الواقع القائم على مدى الوطن كله، والمفروض بسلاح التهديد والوعيد والتحذير الشديد من خلال العبارة الماثورة، «ما حدا يجربنا»، وفي الجعبة سوابق معروفة ليس أقلها سابقة السابع من أيار، ومنظومة القمصان السود.

عملية جرف لأسس الدولة ولمعالم الوطن… منطلقة إنطلاقة السهم الخارق، لا تطلب رضى ولا موافقة من أحد، ولا تصويتا في مجلس نيابي، بعد أن قلمت أظافره وقطعت حباله الصوتية، ولا قرارات حكومية، في وقت ليس فيه من معالم الحكومة إلا رئيس مكلف أحاطوه بالحواجز والموانع والتهويلات والتهديدات، وعند الإقتضاء هناك حكومة تصريف أعمال حاضرة ناضرة، وجاهزة لاتخاذ أي قرار من أي نوع كان، لأية حاجة تقتضيها المصالح والمواقع التي لطالما ملأت أجواءها علامات الإستفهام والتعجب، وتساؤلات الإستغراب والإستهجان، دون أن تنفع في معالجتها أية مواقف سياسية أو وطنية أو شعبية، وآخر الأسلحة التي تستعمل اليوم في مجابهة كل المواقف وكل الاحتجاجات… سلاح الفراغ ومنهجية التفريغ، ومواجهة كل المواقف وكل القرارات بالمنطق المشهور والمأثور «نقعوها واشربوا ميتها».

وها هو لبنان يشرب من مياه النقع والمنقوعات تلك، وقد تلوثت بكل المآخذ والمفاسد التي مرت في زواريب صنع وتجارة وحماية الممنوعات والمحظورات، وفي ذلك تتوجه الأصابع المشيرة والمتهمة، إلى المرافئ والمطار والمواقع الجمركية، فضلا عن أمور كثيرة أخرى لها لوائحها وتفاصيلها.

وها هو الوضع العجيب الغريب نفسه قائم ومستمر، حيث يمد السيد حسن يده إلى معارضيه ويدعو إلى الحوار دون قيد ولا شرط، بينما تنطلق شروطه القاسية والمكبلة للوضع الحكومي ولمسيرة البلاد، متمثلة بأقوال الحاج محمد رعد، وسواه حيث يؤكدون على أن أية حكومة لن تشكل إلا بمشاركة كثيفة من حزب الله، وأن الحكومة العتيدة لن تشكل الا وحزب الله وحلفاؤه ممثلون فيها ولن تستقيم إلاّ على وضعية الثلث المعطل، وعلى مبدأ «الجيش والشعب والمقاومة» في الوقت الذي بح فيه صوت الرئيس المكلف وهو ينادي بحكومة تقتصر عضويتها على من ليست لهم إرتباطات حزبية فاقعة وأن ذلك يسري على جميع الفرقاء دون استثناء، وهذا ما اعتبره كثيرون وضعية تسهيلية عاقلة وحكيمة ويقتضي أن تزال عنها كل الموانع والحواجز المصطنعة، وهذا ما علق عليه كثـيرون بالقول: فالج، لا تعالج، وإن الرئيس المكلف يقوم بجهود مضنية ومشكورة، ولكنه في نظر آخرين، يغمس خارج الصحن، ويأكل مما ليس مسموحا له بأكله لأنه يخالف بذلك وضعية الفراغ والتفريغ الممنهج والمبرمج والمشغول بعناية فائقة.

وها هو القرار الأوروبي الإجماعي، تحوم ارتداداته الضاغطة في مجمل الأجواء اللبنانية، فتزيدها حرجا وتأزما، وواقع الأمر أن هذا القرار الذي برز في العلن: انه قد جاء نتيجة لنشاطات إرهابية لحزب الله في عدد من البلدان الأوروبية، وقد تم اعتماده بوقائعه المعلنة، ليرتكز إلى خفايا وخبايا واقع آخر، يكاد أن يكون دعامة أساسية من دعائم التطورات على المستوى الأوروبي : الوضع السوري وتحدياته والخفايا والخبايا والتحديات الكبرى المحيطة بوقائعه الدامية والإجرامية.

وقد رأى فيهـا المجتمع الأوروبي، بشكل أساسي ذراعـا إيرانية تمتد بالتدخل المسلح المباشر لتكون إيران، ذلك البلد المحكوم بمبادئ الولي الفقيه، والمشبعة بالخلفيات الدينية المتطرفة، وقد أصبحت متواجدة ومتمركزة في صلب المنطقة العربية حيث تزدحم المصالح الأوروبية وتتكدس وتتكامل، وقد باشرت إيران بالفعل عملية الإطباق على مواقع عربية صرفة، ولئن تردد الأميركيون والأوروبيون في مد يد العون للثوار السوريين،لأسباب متناقضة ومتباينة، فإن تدخل الحزب بأرتاله المسلحة متغلغلا في العمق السوري أثار الحفيظة الغربية، التي وإن كانت تترك العنان اليوم لقتال ملتهب تأكل ناره كل أخضر ويابس، وفي ضمن ما تأكله، القدرة العسكرية لحزب الله، والمالية والإقتصادية لإيران، والمؤسف أن الحزب الذي أدخل نفسه في اللهب السوري بكل مستنقعاته ومخاطره، قد أدخل معه لبنان وأهله جميعا شاؤوا ذلك أم أبوا، فالنتائج بكل وبالها ستصب على الجميع. وعليه، الفراغ والتفريغ هما الوسيلتـان الأنجع لشـل ومواجهة أي موقف لبناني معارض لما يجري داخل الحدود وخارجها. الفراغ والتفريغ في كل المجالات والمواقع ما زال مستمرا… فإلى متى؟ وإلى أين ستصل نتائجه الكارثية.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل