هذا ما قصد وزير الطاقة والمياه في الحكومة المستقيلة جبران باسيل أن يوضحه في مؤتمره الصحافي في الوزارة لغرض سياسي بحت أو بالأحرى لغرض سياسي-عائلي صرف.. دافع باسيل بداية عن عديله، وتأرجحت أفكاره بين “رفضوا إسم شامل روكز لمجرد أنه صهر العماد ميشال عون رغم أننا لم نطرح اسمه”، وبأن “التمديد مطروح منذ العام 2011”. ويطرح هذا التعبير تساؤلات عدة باتّجاهين. إذ كيف يمكن رفض شخص اسمه غير مطروح؟! فلو لم يطرح عون اسم صهره قائدا للجيش، لما تمّت مواجهته بالرفض.. ويربط باسيل، من جهة ثانية، رفض الاسم “غير المطروح” كون الرجل المرفوض صهر الجنرال، ومع الأخذ في الاعتبار أن الصهر الثاني ابن المؤسسة العسكرية، فإن المثال الذي يقدّمه باسيل عن الأصهرة قادر وحده أن يقود الى الرفض.. وهل يمكن أن يطرح التمديد في العام 2011 ويصدر الرفض في العام 2013؟!
ويصف باسيل موقع رئاسة الجمهورية بأنه “الأضعف” قائلا “الموقع الأول لا يجب أن يكون الأضعف، ويجب تصحيح هذا الموضوع بتعديل دستوري ليكون إنتخاب الرئيس بنصاب عادي وليس بنصاب ثلثي الأعضاء”. فباسيل، الذي يسير على خطى عمّه، يدعو الى تعديل الدستور بهدف تقوية موقع رئاسة الجمهورية معلّقا “فرضوا أن يكون الرئيس حكما، للقول انه لا يجب أن يكون قويا شعبيا ليقدر أن يحكم بين اللبنانيين”. وإن شاء باسيل أن تلتقي مصالحه في تعديل الدستور مع مصالح حليفه الذي يخالف الدستور لأنه لا يعترف به، فإن التجربة الحاضرة برهنت أن أنانية “حزب الله” لا تسمح له بأن يحافظ على تحالفه مع الطرف المسيحي إلا حين يخدم ذلك قضيته الممانعة.
وبالحديث عن رئيس الجمهورية وعن رمزية الموقع، فإن التهجّم على رئيس الجمهورية ميشال سليمان شخصيا كان سابقة يتفرّد بها “التيار”، ووصف الموقع بـ “الضعيف” لا يستند الى تحليلات الصهر والعمّ، إنما الى اعتقادهما أن التقاء المصالح بين “التيار” و”حزب الله” سيدوم طويلا، لهذا طالب “التيار” بتحصين موقع رئاسة الجمهورية وتقويته. وبمعنى آخر، فإن الحماسة التي اشعلها “حزب الله” في سياسة حليفه، من خلال الوعود التي أغدقه بها قبل أن يوقّع وثيقة التفاهم، جعلت “التيار” متشوّقا لتعديل الدستور، وتنصيب عون رئيسا للجمهورية، ومن دون أدنى شكّ، فإن الرئاسة الأولى ستكون في عصرها الأقوى، على النحو الذي يريده “حزب الله” لا حليفه. هذا وقد أثبت رئيس الجمهورية، بالأمس، في كلمته المخصصة للاحتفال بعيد الجيش أن موقع رئاسة الجمهورية قويّ بوجود من يدافع عن سلاح الجيش اللبناني وحده ويرفض القتال خارج حدود الوطن، وقال ذلك على مسمع من كل الممانعين.
في ظلّ هذه المواقف، كان من البديهي أن يعيد باسيل “إحياء” مشروع قانون “اللقاء الأورثوذكسي” دون أن يسمّيه من خلال حديثه عن “تكتلات مسيحية كبيرة جامعة على حساب الشتات (..)”. وتاريخ “التيار الوطني الحرّ” حافل “بالدفاع” عن المسيحيين ولمّ شملهم منذ هجومهم على البطريرك الماروني السابق نصرالله صفير، ليبرهنوا أن الرجل المسيحي الأول في ذهنهم ليس المرجع الديني الأول إنما الرجل السياسي الأول، وهل يمكن أن يصدّق اللبنانيون أن “التيار” اليوم “حامل همّ” المسيحيين؟
ويسلسل باسيل كل أنواع التمديدات والتعيينات التي تميّزت بها الحكومة المستقيلة، إذ إن التعيينات والتعيينات السياسية فقط هي من أبرز إنجازاتها، دون أن يمرّ على التعيينات الثقافية أو التربوية المرتبطة مباشرة بالجامعة اللبنانية، والتي لا يفترض أن تمت الى السياسة بصلة، لهذا تناساها من بين التعيينات.. ويتمظهر في كلمة باسيل “النَفَس” العوني الجامح نحو الهيمنة والسيطرة التي يريد من خلالها أن يحتكر “التيار” كل المراكز والمناصب، وكأنه أراد بذلك القول: “خير البلاد لن يكون إلا على أيدينا”.
في هذا السياق، يلفت باسيل الى “عدم وجود مرجعية موحدة لدى المسيحيين، إذ يوجد مرجعيات دينية وسياسية عديدة”، مؤكدا “وجوب وجود مرجعية سياسية وحيدة”. وقد أتى ذلك على عكس توقعات باسيل في أن يضمّ “التيار” كل مؤسسات الدولة وأحزابها الى ممتلكاته الخاصة، ولم يكن “التيار” ليثير هذه الاعتراضات لو كان عون مثلا بطريركا وممثلا دينيا وحيدا للمسيحيين، ورئيس “التيار” السياسي الأول والأخير، ورئيس الجمهورية الهادف الى تقوية موقع المسيحيين، وقائد الجيش الذي يسعى الى توحيد الجيش غير الطائفي تحت الراية المسيحية، وبما أنه يمتلك السلطة الأقوى في لبنان من دون منازع، يكون ممكنا له أن يوزّع الوزارات والمراكز على عائلته. فهنيئا للبنان بهذه الديموقراطية العونية التي لا تعترف بتعدد الآراء واختلاف الاتجاهات.. فهل يلتقي هذا “الشجع” مع أنانية الحلفاء؟