التمديد مسألة غير شعبية وتنمّ عن ثقافة غير ديموقراطية، ومواجهتها مسألة أساسية، واستمرار تخيير الناس بين الفراغ والتمديد هو ابتزاز ما بعده ابتزاز، على غرار تخيير الناس بين الوصاية والحرب الأهلية، وبين التسليم بالأمر الواقع وتجويع الناس، والهدف من هذا الابتزاز إبقاء الدولة مشلولة. هذا في المبدأ، وأمّا في الواقع فالتمديد أفضل من الفراغ، خصوصاً في المؤسسة العسكرية، ومواجهة التمديد لا تكون بإفراغ المؤسّسات، بل بتحصينها عبر الالتزام بنصّ الدستور وروحه.
ولكنّ استسهال التمديد وخرق الدستور وتعطيل المؤسّسات مَردُّه إلى وجود إرادة فوق الدولة تريد تبدِية مصالحها على حساب مصلحة الدولة، وذلك بمعزل عن مسمّياتها أكانت وصاية سورية أم وصاية إيرانية، والتجربة دلّت إلى أنّ محاولة الفصل بين شقّ سياديّ وآخر إصلاحي، وبين جانب اقتصادي وآخر أمني مصيرُها الفشل، لا بل نتائجها كارثية، والشهيد رفيق الحريري دفع حياته ثمناً لهذه المساكنة التي تطلب حلولاً جذرية، وإلّا فإنّ الأمور ستبقى عالقة ومعلقة على أزمات المنطقة.
فتطبيق الدستور ليس “menu a la carte” يختار منه كلّ فريق سياسي ما يناسب مصالحه وتطلعاته، إنّما هو كلّ متكامل، وأيّ خلل في أيّ مجال لا بدّ أن ينعكس على مجمل العملية الدستورية. فالاستنسابية في تطبيق مواد الدستور تعني أنّ هناك فريقاً غالباً ينتقي من الدستور ما يتناسب مع مصالحه، وآخرَ مغلوباً على أمره بفعل السلاح غير الشرعي. والأخطر من كلّ ذلك أنّ عدم احترام الدستور في جانب يؤدّي إلى الإطاحة به في كلّ الجوانب.
وما حصل منذ التمديد النيابي إلى اليوم فقط يُظهر أن لا وجود لدستور أو مؤسسات في لبنان، وحتى المجلس الدستوري تمّ تشويه صورته، وكأنّ البلد يعيش فصله الأخير قبل الانهيار التام أو التمهيد لـ”طائف جديد”، لأنّ الفوضى القائمة تبدو منظّمة بهدف تعميم انطباع أنّ “الطائف” انتهى، وأنّ أيّ تسوية للأزمة السورية يجب أن تترافق مع تسوية لبنانية جديدة تأخذ في الاعتبار المعطيات التي استجدّت منذ ولادة “وثيقة الوفاق الوطني”.
وحسناً فعل الجنرال عون بإعلان نيته إنشاء جبهة دستورية، لأنّ الخلل على مستوى الدولة بدأ منذ اللحظة التي تمّ فيها تجاوز الدستور مع اتفاق القاهرة مروراً بثلاثية “ضروري وشرعي ومؤقّت”، وصولاً إلى ثلاثية “شعب وجيش ومقاومة”، فضلاً عن أنّ أوّل خرق للدستور بعد الطائف تمثّل في اعتبار “حزب الله” مقاومة لا ميليشيا، وتمّ استثناء الحزب من نزع سلاح الميليشيات، هذا الاستثناء الذي عطّل الدولة ومؤسّساتها.
فالمطلوب من الجنرال معالجة مكمن الخلل لا الاكتفاء بالقشور، على أهميتها وخطورتها، لأنّ غضّ النظر عن معضلة السلاح تحت عنوان المقاومة، أو انتقاد سلوك “حزب الله” في الداخل وتحييد سلاحه في الخارج، يعني أنّ دعوته لإنشاء جبهة دستورية ستبقى صوتية وإعلامية وغير فعّالة، ولا بل تخدم “حزب الله” وسياساته بحرف أنظار الناس عن سلاحه عبر محاولة تظهير أنّ تجاوز الدستور لا علاقة له بالسلاح الخارج عن الدولة.
إنّ استثناء عون سلاح “حزب الله” يعني أنّ اعتراضه ذاتيّ لا وطني، ورفعٌ للسقف من أجل تحسين شروط تحالفِه مع الحزب، فالدستور تعطّلت أحكامه بفعل السلاح غير الشرعي وليس الجشع السلطوي لجزء من الطبقة السياسية، هذا الجشع الذي لا يمكن التصدّي له إلّا بتطبيق مندرجات الدستور المعلق بفعل الاستقواء على الدولة.
ومن هنا على عون أن يثبت بأنّ اعتراضه على التمديد مسألة مبدئية لا علاقة لها بالحسابات السياسية الفئوية، ومن ثمّ إعلان برنامج جبهته الدستورية التي يبقى الانضمام إليها أو عدمه مرهوناً بموقفه الواضح من السلاح، وبالإجابة عن سؤال: هل تطبيق الدستور في ظلّ سلاح “حزب الله” ممكن؟ وهل سيدعو الحزب إلى تسليم سلاحه للدولة فوراً؟.
قد تشكّل هذه المرحلة فرصة لا تتكرّر أمام عون لإعادة تصحيح المسار الذي بدأ منذ تحالفه مع “حزب الله”، فضلاً عن أنّ صدقية طرحه تتطلّب الوقوف على مسافة واحدة من كلّ الطبقة السياسية.
