أيّها الضبّاط المتخرّجون،
كما الأرزة في كنف العلم، كذلك الجيش ولبنان : شيء من التلازم بين الخيار والقدر، وشيء من استحالة الفصل بين قوّة المؤسسة واستمرارها وسيادة الوطن واستقراره.
قبل ثلاثة وأربعين عاماً، وقفت مثلكم أتسلّم سيفاً وأمانة، ثمّ واكبت على رأس القيادة تخريج تسع دورات من رفاقكم الذين سبقوكم إلى ميادين البذل والتضحية. وها أنا اليوم، وقد أدّيت القَسَمين: قَسَم الجيش وقَسَم الجمهوريّة، أشعر للمرّة السادسة بفرح ترؤس حفل تقليدكم سيوف الشرف والتضحية والوفاء.
لقد تبدّلت عهود واندلعت حروب وثورات، وحصلت انقلابات وتحوّلات في الشرق الأوسط والمحيط العربي وتغيّرت انظمة وصيغت دساتير جديدة، وبقيَ نظامنا الديموقراطي وجوهر الميثاق صامداً على خطّ الزلازل وحدٍّ الخطر، يحميه الجيش اللبناني ضامناً لبقاء لبنان الواحد المستقلّ معززًا الايمان بأن التنوع هو سر كيانه وجوهر ديمومته. فإذا كان قدر الجيش هو الحفاظ على القَسَم والعلم، فإنّ خيار اللبنانيين الثابت، وبعد التجارب المرّة مع الاحتلال وسلبيات الدويلات والميليشيات والوصاية والحماية هو الدولة التي يحميها الجيش، الدولة الملاذ التي وحدها تحفظ الحقوق والكرامات، وتحمي وتدير التنوّع بعيداً عن صراع الهويات والعقائد والمذاهب والمحاور.
أيّها الضبّاط المتخرّجون،
تتقلّدون السيوف، فيما يستمر نشر القلق والتوتّر والتشكيك والتشهير، في محاولةٍ لاستعادة التاريخ المظلم وإعادة زمن لم يمرّ عليه الزمن. كأنّ اللبنانيين لم ينسوا ما حلّ بهم من ممارسات الأمن الذاتي والأمن المستعار وأمن الذلّ والاحتلال، عندما شلّت الحرب مؤسسة الجيش وعطّلتها. فلماذا تكرار التجارب السابقة فيما الإجماع قائم على حدود الوطن وجغرافيّته وصيغته والميثاق وكلّ الثوابت التي أعاد تكريسها اتفاق الطائف، والذي لم تعلن أيّ فئة أو جهة أو مجموعة التنكّر له ؟ اطمئنوا أنّ ما حصل في الفترة الأخيرة وما يخشى حصوله من حوادث واختراقات، ليس سوى محطّات عابرة لا يمكن أن توقف حركة التاريخ و إرادة اللبنانيين المندفعة بسرعة نحو مستقبل واعد، يرفض سلبيّات الماضي وإشكاليّاته.
أيّها الضبّاط المتخرّجون، أيّها اللبنانيون،
ليس بالأمن وحده يحيا الوطن، لكن لا وطن من دون أمن، ولا أمن وسيادة وكرامة من دون الجيش. وكما للمواطن حقوق على الدولة والجيش في الأمن والأمان والحماية، فإنّ للجيش حقوقاً على الشعب والدولة. فهو إلى جانب التجهيز والتسليح والدعم المادي والمعنوي، يحتاج إلى بيئة وطنيّة نقيّة وإلى دولة حاضنة راعية. فالجيش ليس جسماً مجرّداً منفصلاً يعمل مستقلاً عن الدولة والشعب، بل هو منهما ولهما، ينشد الغطاء السياسي الرسمي بالقرار، والشعبي بالتأييد والمؤازرة. ولكنه في الوقت نفسه ليس في حاجة الى رعاية تبلغ حد الارتهان ولا الى احتضان يبلغ حد الاستئثار والتقييد.
تصعب مهمّة الجيش إذا تُرِكَ وحيداً ومكشوفاً على الخطّ الأمامي في السياسة والميدان، ينوب في القرار والتنفيذ عن أهل السلطة والسياسة المعطّلة قدرتهم غالباً على إيجاد الحلول قبل استفحال الأزمات، والسبّاقين أحياناً إلى فتح دفاتر التشكيك والاتهام بعد إنجاز المهمات. فالجيش خطّ دفاع عن الدولة والمواطنين والنظام العام والسلم الاهلي، لكنّه لا يستطيع أن يملأ الفراغ الحكومي والسياسي، ولم يأخذ يوما على عاتقه ان يحل بوسائل عسكريّة مجرّدة، أزمة وطنيّة، أو يعالج انقساماً طائفيّاً ومذهبيّا، أو وضعاً متفجّراً على خلفيّة انعكاس لنزاع خارجي انخرط فيه بعض اللبنانيين خلافاً للعقد الاجتماعي الذي يرتبطون به ولمندرجات اعلان بعبدا.
لا يجوز نقل الجيش من موقع الدفاع عن المواطن إلى موقع الدفاع عن نفسه خصوصاً في حالات الاعتداء عليه والغدر بضبّاطه وجنوده. كذلك لا يجوز تحميل الجيش خطايا غيره الجسيمة ثمّ محاسبته على أخطائه القليلة المتلازمة في غالبية الاحيان مع دقة الاوضاع وحساسيتها وتداخل المكونات والعوامل المشكلة لها. فليس بالإضاءة على الأخطاء نمحو خطايا السياسة والارتهان للمصالح والارتباطات على أنواعها. كذلك لا يجوز موازنة الأخطاء التي تخضع لآليّات محاسبة محدّدة، بالدور الوطني الكبير الذي يقع على عاتق الجيش في حماية السيادة ومواجهة العدوانيّة الإسرائيليّة وحفظ الأمن ومحاربة الإرهاب. فالمطلوب في هذه الظروف الدقيقة حملة مع الجيش لا حملة عليه.
وتتعثر مهمّة الجيش أيضاً إذا استمرّت استحالة قمع كلّ تعرّض أو تعدّ عليه أو على المواطن خشية المساس بكرامة أو كيان جزء من جماعة أو طائفة بعينها. وتصعب مهمّة الجيش إذا تورّط فريق أو أكثر من اللبنانيين في صراعات خارج الحدود ما يؤدّي إلى استيراد أزمات الخارج إلى الداخل، فيتحوّل الوطن إلى ساحة مكشوفة لحرب بالوكالة تنوء تحت ثقلها وأعبائها جيوش الدول الكبرى. وتصعب مهمّة الجيش لا بل تستحيل، إذا استمرّت ازدواجيّة السلاح الشرعي وغير الشرعي.
وكيف يمكن تأدية الجيش مهامه، إذا حصل تردد او تأخّير في تحديد القيادة والأمرة ومحضها الثقة اللازمة، أو إذا استمرّ الفراغ الحكومي بعرقلة التأليف، والفراغ التشريعي بالمقاطعة والتعطيل. لذلك عمدنا الى تأمين استمرارية القيادة وفقا للمادة 55 من قانون الدفاع في انتظار قيام المجلس النيابي ومجلس الوزراء بدورهما.
أيّها اللبنانيون،
تتم معالجة العنف الكامن في المجتمعات، من خلال الآليّات السلميّة الديموقراطيّة وتوسيع قاعدة الحكم والمداورة في السلطة، وهذا الأمر يتمّ حصراً عبر انتخابات نيابيّة ضروريّة في أقرب وقت متاح، ليس لتجديد الطبقة السياسيّة وإعادة تحديد أحجام القوى وأوزانها واتجاهاتها فحسب، بل للاستفتاء حول الخيارات الكبرى التي تحتاج إلى مراجعة بفعل التحوّلات العاصفة في المنطقة. إذ لم يعد مألوفاً ولا مقبولاً أن يصادر أحد قرار الشعوب والارادة الوطنية الجامعة باسم الظروف الاستثنائيّة، فهذه الظروف نفسها تفرض اعتماد الديموقراطية سبيلا للتغيير والتطوير وليس سبيلا للتشريع لمنع تداول السلطة، وضماناً للحؤول دون احداث فراغ وازمات يستخدمها الاقوى للهيمنة وحسم خياراته في الشارع.
فالديموقراطيّة بأبسط دلالاتها اعتراف بالآخر المختلف. وانطلاقاً من هنا، ليس مفهوماً استعمال حقّ النقض المتبادل بين المكوّنات اللبنانيّة في المواضيع الجوهريّة والمواضيع الخاصة بالإدارة العامة للبلاد على السواء، وممارسة لعبة المقاطعة والشروط والإلغاء والإقصاء المتبادل في المؤسسات الدستورية والقانونية والادارية. لذلك، ومن أجل حماية المؤسسات من التحلّل والتلاشي، ومنع النظام الديموقراطي من التآكل والتقهقر، وتحصيناً للجيش والأمن والاقتصاد، لن نقبع في دوّامة الانتظار طويلاً قبل الشروع في تشكيل حكومة الوزن الوطني والمصلحة الوطنية لا حكومة الحصص والتوازنات السياسيّة. حكومة تحظى بثقة الرأي العام وتنال ثقة المجلس النيابي ، وتعمل على جبه التحديات الامنية والاقتصادية التي يواجهها لبنان، ومنها المشكلة الناتجة عن التزايد غير المسبوق لاعداد اللاجئين السوريين والفلسطينيين الوافدين من سوريا0
إنّ قسمي وواجبي الدستوري، يحتّمان تلافي الوصول إلى الاستحقاقات المقبلة وذروتها انتخابات رئاسة الجمهوريّة، من دون حكومة فاعلة تتمثّل فيها جميع القوى الحيّة في المجتمع والفاعلة في السياسة، واذا تعذر فلا بد من حكومة حيادية ترعى جميع الفئات وكافة الشؤون وذلك وفق الأصول والمسؤوليات الدستورية الملقاة على عاتق رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة0 فلا تعطيل من الداخل ولا تخويف او هيمنة ولا تدخل من الخارج.
إنّ مهل الاستشارات والبحث والتواصل والاتصالات وتحليل المعطيات على وشك النفاذ والاستنفاذ. فعلينا المبادرة وكسر حال انتظار تبدّل موازين القوى الداخليّة والخارجيّة، أو محاولة الاستنجاد بالخارج من أجل بناء سلطة وطنيّة وتكوينها.
في أيّ حال، وحتى حلول موعد الاستحقاق الرئاسي المقبل سأثابر على دوام الالتزام بقسم المحافظة على لبنان كما عرفت وتسلّمت بحدوده وأرضه وشعبه ونظامه ودولته0 وإذ يتابع لبنان بإهتمام تحوّلات ومتغيّرات الجوار، فهو بالتأكيد تخطّى مراحل التأسيس والتركيز وليس أمامه سوى الترشيد والتطوير وإرتقاء الممارسة السياسية، وسأسعى إلى تكريس المبادئ والثوابت والمواقف التي التزمت، والتي ستشكّل أساساً ومنطلقاً لأيّ عهد مقبل على صعيد صون السيادة والدستور والقانون، والحياد في السياسة الخارجية وإلتزام السياسة الداخلية مصلحة الوطن فقط وإلغاء المحاصصة في الشؤون الوطنية والادارية.
ولقد أصبح ملحّاً درس الاستراتيجيّة الوطنيّة للدفاع وإقرارها في ضوء تطوّرات المنطقة، والتعديل الطارئ على الوظيفة الأساسيّة لسلاح المقاومة الذي تخطّى الحدود اللبنانيّة. واستناداً إلى التصوّر الذي وضعته في هذا الصدد أمام الشعب وهيئة الحوار الوطني، التي اعتبرته منطلقاً للنقاش، وأشار إليه الأمين العام للأمم المتحدة في تقاريره الأخيرة إلى مجلس الأمن0 وإنطلاقا من تمييزنا الواضح و الدقيق والمستمر بين المقاومة و الإرهاب ، ولتحصين مقدرتنا على المقاومة والدفاع حصرا عن لبنان فقد حان الوقت لتكون الدولة بجيشها وقيادته السياسية العليا الناظمة الأساسية والمقررة لإستعمال هذه المقدرات.
وفي موازاة ذلك وبعدما نجح لبنان في تحرير معظم أراضيه من الاحتلال الإسرائيلي بتضافر مجمل قدراته الوطنيّة المقاومة والرادعة، لن ننسى متابعة تنفيذ برنامج تسليح الجيش وتجهيزه، الذي أقرّته الحكومة، كي تكتمل جهوزيّته وقدرته، ما يتيح له الإمساك حصريّاً بمستلزمات الدفاع عن سيادة لبنان وحدوده البريّة والجويّة والبحريّة وتأمين ثرواته الغازية والنفطيّة الواعدة، بالإضافة إلى استكمال تنفيذ بنود القرار 1701، بمساعدة مشكورة من قوات اليونيفيل، التي يحرص لبنان عليها وعلى المهمة الموكلة اليها من قبل المجتمع الدولي بناء على طلب الحكومة اللبنانية.
وإنّه لأمر استثنائي ولافت أن يذهب مجلس الأمن الدولي، بجميع أعضائه، في بيان صادر بتاريخ 10 تموز الفائت، إلى حدّ دعوة المجتمع الدولي والقادة اللبنانيين، بمختلف أطيافهم وجميع الطوائف اللبنانيّة، إلى تقديم كلّ دعم ممكن إلى الجيش اللبناني باعتباره مؤسسة وطنيّة ومحايدة وركناً أساسيّاً من أركان استقرار البلد.
أيّها الضباط المتخرجون،
لقد ولّىّ الزمن الذي كان الجيش فيه ممنوعاً من الدفاع عن لبنان، والدولة التي كانت ممنوعة من الدفاع عن الجيش. فليس الجيش ولن يكون أبداً قوّة فصل بين جيوش لبنانيّة صغيرة أو ميليشيات أو جماعات مسلّحة بحجّة الدفاع عن قضيّة فئويّة أو طائفية أو حيّ أو منطقة … إنّه الممثّل الشرعي للوطنيّة اللبنانيّة والمجسّد الدائم لوحدة لبنان واللبنانيين … لقد كان الجيش وسيبقى رمزاً لكلّ انتقال من الحاضر الذي يقيّد بالقلق والخوف، إلى المستقبل الذي يحرّر بالعزم والأمل.
وإذ نحتفل بذكرى مقاومة العدوان الإسرائيلي على لبنان صيف عام 2006 والانتصار عليه، أوجّه تحيّة في عيد الجيش، إلى كافة شهداء الوطن و إلى شهداء الجيش الذين تنافسوا في بذل دمائهم على كامل مساحة الوطن وكلّ ساحات الدفاع عن لبنان في وجه العدوان وموجات التطرّف والإرهاب، كما فعل بالامس الجندي شربل حاتم، وإعتز أهلهم بشهادتهم ورفاقهم بتسمية دوراتهم على إسمهم أيقونات للتضحية.
وإلى دورة النقيب الشهيد حسام بو عرم وما يعني لي شخصيا إستشهاده، مع كوكبة من رفاقه الأبرار، وإلى جميع اللبنانيين أقول بالفم الملآن إن الشهادة الحقيقية هي فقط في سبيل الوطن.
…في سبيل الدفاع عن وحدته وأرضه وعزته.
….ما يريده الشعب اللبناني هو التضحية من اجل لبنان.
… وما لا يريده الشعب اللبناني هو أن تروي دماء أبنائه تراباً غير تراب الوطن المقدس.
عشتم، عاش الجيش، عاش لبنان.