#adsense

يا زمن

حجم الخط

يا زمن…

يغدر الزمن ببعض ناسه يا اخوان… وعبيط قليل الدراية من لا يأخذ بذلك حتى لو ادعى امتلاكه ناصية الحكمة وأدواتها ومفرداتها.
يأخذ الناس في الإجمال، سمة زمنهم وعصرهم. يصنعونه ويصنعهم، ويتوارثون نتاج دورة أيامه وصخبها. يخبّئون في دواخل الصدور حقيقتهم الناصعة بلا تلوين وتمثيل وتدجيل، فيما يُظهرون للعموم ما تفرضه الرؤية الحديثة وطبائع الاجتماع وفرائضه وقوانينه.

بعضهم يرتّد في سرائره الى الطبيعة الاولى حيث الغاب ولا قانون، وحيث الافتراس شرط البقاء، والقتل عنوان الحياة، والحسد شرارة الشر، والجشع قدّاحة التعدي. وبعض آخر يرتّد الى نقاوة الأزرق، وحلاوة الغيب، والجمال الأخّاذ للعيش بين البشر، مفترضاً انهم جميعاً، في تلك السرائر والدواخل، أنقياء بالفطرة. محبّون للخير، كارهون للشر، باغضون للعسف وأدواته وصُنّاعه، نهمون للشمس حيث اشعتها صنوٌ للحياة، ونقيض للعتم وكوالح الليالي، وحيث انهم في الإجمال نسيج مركّب لا يعرف الصمود والاستمرار وحيداً، وغريزته هذه تكفي لنفي انانيته حتى لو طغت على طبائعه.

… يغدر الزمن ببعض ناسه رغم بنوتهم له. يفترضون انهم أدّوا ما عليهم من شروط الانتساب والعضوية في ناديه، ويفترضون أن الفراسة تجعل الآخر يعرف ان باطنهم أحسن من ظاهرهم. وما خفي من شخصياتهم أرقى وأنبل مما ظهر. وان الاصل فيهم، أنقى من هوامش الفرع، وان الشكل سلطان لكنه في بعض الأحيان، بائع غشاش يعطيك بضاعة من تنك مغلّفة بورق الورد والذهب، مراهناً على انتصار العين على حرارة القلب، وبرودة أحكام العقل السوي والوقّاد… يفترضون أكثر ان العدل حُكم لا يرد لصالحهم، ويكفيهم ان يستقيم الميزانٌ ولا يختّل كي يغنموا بنصيبهم من دون ظلم ولا ظلام ولا ظالمين.

… يفترضون أكثر، ان الخير مدرار، وبيدره قمح لا يفنى. حبة منه تعطي سنابل لا تنحني إلا عند إمتلائها. وان الدنيا دانت للمصطفين من أهلها. وان سعة اليد لا تحدّها سدود ان بُسطت بامتلاء لاغاثة ملهوف، وإعالة يتيم، واسكان بائس، ومداواة مريض، ومساعدة طالب في سعيه للعُلى، وحمل جبال أوطان وأمم على الاكتاف… ويفترضون بعد ذلك، ان الموت حقٌ لا يُصارع ولا يُقارع ولا يُنازع، لكن القتل جريمة، وان العدل إياه، كان يجب أن يفرض على القدر التمهل أمامه، كي يعيش حياة تليق بامثاله من الأشراف والانقياء والأطهار والصالحين.

صباح الخير يا رئيسي الشهيد.. ولا تكفيك كل صباحات الدنيا، وأنت الذي أنت: انتقام الفقراء من لعنة الفقر، والتعليم من آفة الجهل، والإعمار من علة الهدم، والحرية من الوصاية، ولبنان من هادميه وقاتليه وطاعنيه.
صباح الخير رفيق الحريري. رئيسنا الى الأبد… "وانتقامنا الجميل من كذبة الحياة كلها".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل