مسؤول عربي: ما مصلحة سوريا؟ خراب لبنان ؟
“أسلحة” العرب في مواجهة أخطار مشروع الأسد
“أسلحة” العرب في مواجهة أخطار مشروع الأسد
“تسعى المجموعة العربية، باعتمادها خطة العمل العربية لمعالجة مأزق انتخابات الرئاسة اللبنانية، الى تحقيق هدفين كبيرين: الاول انقاذ لبنان من الحرب الاهلية الباردة القائمة حاليا والتي تهدد بالتحول حرباً ساخنة نتيجة الاحتقان الشديد السياسي والطائفي والشعبي وانهيار الثقة بين قادة الغالبية والمعارضة، وهي تريد ان تكرر في تحركها هذا تجربة عام 1989 حين نجحت في وقف الحرب الاهلية الدامية عبر التوصل الى اتفاق الطائف الذي رعته السعودية ودعمته المجموعة العربية ككل والدول الكبرى. الهدف الثاني تكرار تجربة 2005 حيث تمكنت الضغوط العربية والدولية من دفع نظام الرئيس بشار الاسد الى سحب قواته العسكرية والامنية والاستخبارية من لبنان، من خلال مواجهة النظام السوري هذه المرة بتصميم عربي مدعوم دوليا لتأمين الحماية والمساندة للبنان المستقل لكي يستعيد حياته الطبيعية دستوريا وسياسيا وأمنيا ومعيشيا، من خلال انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية من دون شروط مسبقة ثم تشكيل حكومة وحدة وطنية من دون ثلث معطل للمعارضة تعمل على تحقيق مصالح اللبنانيين الحيوية وليس مصالح جهات اقليمية”.
هذا ما أكده لنا مسؤول عربي بارز معني بهذه القضية، وأوضح ان المهمة صعبة جدا وتواجهها عقبات معلنة وغير معلنة، لكن المجموعة العربية تريد التحرك بفاعلية في الساحة اللبنانية لثلاثة أسباب أساسية هي: الاول ان نظام الاسد يتصرف كأن القضية اللبنانية قضية سورية داخلية ليس من حق أحد التدخل فيها لمساعدة اللبنانيين في محنتهم، وهذا دفعه الى احباط مختلف المساعي الانقاذية. السبب الثاني ان المأزق اللبناني يهدد بالتحول أزمة أمنية كبرى تعد لها المعارضة وتهدد ليس فقط استقلال هذا البلد ومصيره بل ايضا الامن والاستقرار في المنطقة نتيجة اصرار المحور السوري – الايراني على الحاق الهزيمة بالاستقلاليين المتمسكين بالشرعيتين العربية والدولية، واصراره ايضا على خوض معاركه ضد اميركا واسرائيل في الساحة اللبنانية. أما السبب الثالث فهو إقدام دول كبرى معنية بالامر على ابلاغ عدد من الزعماء العرب بأن “ما يجري في لبنان ليس صراعا اميركيا – سورياً او غربياً – سورياً، كما تزعم دمشق، بل انه مسؤولية عربية في الدرجة الاولى لأن نظام الاسد ينتهك بتدخلاته المختلفة سيادة دولة عربية مستقلة وميثاق العمل العربي المشترك، ويتحدى الاجماع العربي والدولي على دعم استقلال هذا البلد وسيادته، ويريد تسجيل انتصار سوري – ايراني في الساحة اللبنانية على حساب المجموعة العربية مما يزيد من حدة الصراع بين المعتدلين والمتشددين في العالم العربي ويعزز موقع ايران الساعية الى فرض هيمنتها على المنطقة”.
كيف تعاطى العرب مع الأسد؟
وأوضحت مصادر ديبلوماسية أوروبية وعربية وثيقة الاطلاع في باريس انه تبين من نتائج مهمة الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى الاخيرة في لبنان ان القيادة السورية وافقت مبدئيا على الخطة العربية “ليس من أجل تنفيذها بل من أجل المماطلة والمساومة ولذلك تنصلت من وعودها الى العرب وامتنعت عن مطالبة حلفائها بالتجاوب فعليا مع هذه الخطة”.
وأكدت لنا هذه المصادر ان القيادية السورية “منزعجة فعلا من اعتماد هذه الخطة العربية”، وخصوصا ان هذه القيادة فشلت خلال اتصالاتها العربية الاخيرة في تحقيق ثلاثة اهداف أرادت من خلالها تعزيز موقعها لبنانيا وعربيا ودوليا، وهذه الاهداف هي الآتية:
وأكدت لنا هذه المصادر ان القيادية السورية “منزعجة فعلا من اعتماد هذه الخطة العربية”، وخصوصا ان هذه القيادة فشلت خلال اتصالاتها العربية الاخيرة في تحقيق ثلاثة اهداف أرادت من خلالها تعزيز موقعها لبنانيا وعربيا ودوليا، وهذه الاهداف هي الآتية:
أولاً، فشلت القيادة السورية في انتزاع تعهد رسمي واضح من عدد من الدول العربية البارزة انها ستشارك في القمة العربية المقبلة المفترض بها ان تعقد في دمشق في آذار، وذلك أيا يكن مسار الاوضاع في لبنان، إذ ان هذه الدول تريد استخدام “سلاح القمة” لدفع نظام الاسد الى التعامل بايجابية مع الوضع اللبناني وتسهيل انتخاب سليمان رئيسا للجمهورية.
ثانياً، فشلت القيادة السورية في الحصول على موافقة ثلاث دول عربية على استقبال الاسد في الاسايبع المقبلة في اطار الاعداد للقمة العربية اذ امتنعت هذه الدول عن الرد على هذا الطلب السوري المقدم اليها. وتحاط هذه المسألة بالتكتم لدقتها وحساسيتها.
ثالثاً، فشلت القيادة السورية في اقناع الدول العربية البارزة المعنية بالامر بالتمييز والفصل بين مواقف دمشق ومواقف المعارضة اللبنانية بحيث توافق هذه الدول على تحسين علاقاتها مع سوريا وتطويرها ولو واصلت المعارضة اعتماد التشدد وطرح شروط تعجيزية لاجراء انتخابات الرئاسة. فقد تم افهام السوريين ان نظام الاسد يجب ان “يدفع مسبقا وسلفاً ثمن تحسين علاقاته مع دول عدة” من خلال قيامه بتدخل فعال لدى المعارضة المرتبطة ارتباطا وثيقا به لدفعها الى قبول الخطة العربية والتجاوب مع مطالبها بدءا بانتخاب سليمان رئيسا ومن دون شروط في أسرع وقت ممكن، بدلا من مواصلة تشجيع هذه المعارضة سرا على التمسك بمطالبها المتعارضة مع مضمون الخطة العربية الوفاقية.
وكشفت لنا المصادر الاوروبية والعربية المطلعة على الاتصالات السورية – العربية الحقائق والوقائع الآتية المتعلقة بطريقة التعامل العربي مع نظام الاسد ومع الملف اللبناني:
أولاً، تم التفاهم على خطة العمل العربية لحل الازمة اللبنانية في أجواء من الاستياء العربي من نظام الاسد ومن تصرفاته وممارساته في لبنان، وكذلك في فلسطين والعراق والمنطقة عموما، وليس في أجواء من التودد للنظام السوري او الرغبة في تطوير العلاقات معه بأي ثمن.
ثانياً، رفضت مصر والسعودية تحديدا إحياء التنسيق الثلاثي المنتظم مع سوريا وعقد أي صفقة مع القيادة السورية او التوصل الى تفاهمات ثنائية معها حول لبنان كما كانت تريد، بل صرحت الدولتان مع دول أخرى على أن يكون مشروع الحل عربيا شاملا وتحت مظلة الشرعية العربية التي يمثلها عمرو موسى. وعلى هذا الاساس لم يتم التوصل الى خطة العمل هذه في اطار قمة سورية – سعودية او سورية – مصرية – سعودية، بل جرى اعداد نص هذه الخطة أولا باشراف عمرو موسى وبالتشاور مع مصر والسعودية وثلاث دول عريبة اخرى ثم تمت مناقشتها مع الاسد ومع وزير الخارجية السوري وليد المعلم ولم يتمكن الجانب السوري من احداث أي تغيير جوهري فيها. وأصر المصريون والسعوديون على الحصول على التزام رسمي وشخصي من الاسد بتنفيذ هذه الخطة العربية كما هي، وهو ما تمكن من تأمينه رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم، كما أصر المصريون والسعوديون على ان يقدم المعلم هذا الالتزام الى خمسة مسؤولين عرب كبار التقوا معا في منزل عمرو موسى وهم: الامين العام للجامعة ووزراء خارجية كل من مصر والسعودية وعمان ورئيس الوزراء القطري. وأصرت الدول العربية المعنية على اطلاق صفة “قرار” صادر عن مؤتمر وزراء الخارجية العرب على خطة العمل هذه وليس صفة “بيان”، كما تريد دمشق لمحاولة التقليل من أهميتها.
ثالثاً، لم يتم عقد أي اجتماع مصالحة حقيقي بين وزيري الخارجية السوري والسعودي بشكل خاص، اذ ان السعودية ودولا أخرى تريد أن يثبت نظام الاسد أولا انه قرر اعتماد سياسة جديدة حيال لبنان داعمة لاستقلاله واستقراره من خلال دفعه حلفاءه الى تطبيق الخطة العربية من دون شروط.
رابعاً، رفضت الدول العربية المعنية تبني مطالب المعارضة خلال صياغة خطة العمل العربية بل انها تبنت ضمنا مطالب الغالبية كما انها حرصت على التمسك بالدستور حماية للنظام اللبناني ولصيغة تقاسم السلطة المعتمدة منذ توقيع اتفاق الطائف، وذلك خلافا لحلفاء دمشق الساعين الى انتهاك الدستور من خلال وضع شروط مسبقة لانتخاب سليمان رئيساً. كما صرحت الدول ذاتها، وخلافا لما كانت تريده سوريا، على تسمية العماد سليمان في قرارها هذا كمرشح توافقي للرئاسة من أجل تكريس ترشيحه عربيا واظهار دعم المجموعة العربية ككل له. وتبنّي الدول العربية المعنية مطالب الغالبية هو ما دفعها الى المطالبة بانتخاب سليمان فورا ووفقا للأصول الدستورية أي من دون شروط مسبقة، والى رفض منح المعارضة الثلث المعطل في الحكومة المقبلة، والى تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية فعليا وليس كلاميا من خلال منحه وحده كفة الترجيح لدى اتخاذ القرارات في الحكومة الجديدة.
خامساً، رفضت الدول العربية الغاء دور الغالبية الاستقلالية او تجاوزها والمساواة بينها وبين المعارضة كما يريد الاسد، كما رفضت التعامل مع المعارضة على أساس انها “الطرف الاقوى” في لبنان وفقا للتقويم السوري لانها تملك سلاحا ثقيلا حصلت عليه من سوريا وايران ولانها مستعدة لاستخدام العنف والقوة المسلحة لمحاولة فرض مطالبها على سائر الافرقاء اللبنانيين.
سادساً، خلافا لما تريده القيادة السورية، قررت المجموعة العربية انشاء آلية متابعة لتنفيذ خطة العمل هذه من خلال التزام عقد اجتماع آخر لوزراء الخارجية العرب يوم 27 كانون الثاني الجاري للاطلاع على نتائج مهمة عمرو موسى ولتقويم الوضع والدور السوري، ومن خلال مطالبة موسى برفع تقارير عن نتائج اتصالاته في لبنان ليس فقط الى الوزراء العرب بل ايضا الى الامين العام للأمم المتحدة والى الاتحاد الاوروبي والى الجهات الدولية المعنية بمصير لبنان، وهذا يعكس تصميما عربيا على فضح الجهات المعرقلة لتنفيذ الخطة العربية تمهيدا لمحاسبتها بشكل او آخر، واستعدادا لاحالة القضية على مجلس الامن الدولي.
مصلحة سوريا خراب لبنان؟
وتوقف مسؤول عربي بارز معني بالملف اللبناني عند خمسة أمور مثيرة للاهتمام هي الآتية:
أولاً، ارادت الدول العربية البارزة افهام الرئيس السوري ان هناك موقفا عربيا – غربيا – دوليا مشتركا ينص على ان تحسين العلاقات مع النظام السوري مرتبط فعلا وجديا بتصرفاته وأعماله في لبنان، وأن على الاسد ان يقبل الامر الواقع ويتوقف عن التصرف بأنه حاكم لبنان وصاحب القرار الاساسي فيه ويعترف باستقلال هذا البلد وسيادته ويتعامل معه من الآن فصاعداً على أساس الندية والمساواة والاحترام المتبادل والامتناع عن التدخل سلبا في شؤونه.
أولاً، ارادت الدول العربية البارزة افهام الرئيس السوري ان هناك موقفا عربيا – غربيا – دوليا مشتركا ينص على ان تحسين العلاقات مع النظام السوري مرتبط فعلا وجديا بتصرفاته وأعماله في لبنان، وأن على الاسد ان يقبل الامر الواقع ويتوقف عن التصرف بأنه حاكم لبنان وصاحب القرار الاساسي فيه ويعترف باستقلال هذا البلد وسيادته ويتعامل معه من الآن فصاعداً على أساس الندية والمساواة والاحترام المتبادل والامتناع عن التدخل سلبا في شؤونه.
ثانياً، المجموعة العربية تريد الغاء المعادلة التي تريد القيادة السورية فرضها على لبنان والقائمة على الاساس الآتي: اما ان يتم انهاء حكم الاستقلاليين الرافضين الهيمنة السورية، أو أن لبنان سيظل يعاني ويواجه المصائب وسيبقى في حال من الفراغ الرئاسي وفي أجواء من التهديد الامني المستمر. والمعادلة التي تتمسك بها مصر والسعودية ودول أخرى، ما عدا سوريا، هي أن استقرار لبنان واستقلاله هو مصلحة عربية عامة بمقدار ما هو مصلحة لبنانية.
ثالثاً، الدول العربية المعنية تريد انقاذ لبنان على الرغم من الافرقاء المرتبطين بدمشق وطهران، وهي تريد اقناع النظام السوري بأنه لن يستطيع الغاء او اضعاف الرعاية والحماية العربيتين والدوليتين للبنان المستقل، لأن هناك حرصا عربيا – دوليا حقيقيا على لبنان كنموذج فريد للتعددية والتنوع والتعايش السلمي بين الطوائف، كما ان هناك حرصا على احباط خطط المحور السوري – الايراني حياله.
رابعاً، ان التهديد العربي بمقاطعة قمة دمشق في آذار المقبل او بالمطالبة بنقلها الى القهرة هو تهديد جدي لأن الدول المعنية تعرف تماما حقائق الدور السوري المعطل والحائل دون انتخاب سليمان رئيسا توافقيا للبنان.
خامساً، تخطىء القيادة السورية حين تقول انها “لن تضحّي بمصالحها ومواقفها من أجل تأمين نجاح القمة العربية” لأن هذا الموقف يدفع الى طرح التساؤلات الآتية: هل ان مصلحة سوريا الحقيقية هي خراب لبنان وانتهاك دستوره ونظامه وتفجير الاقتتال فيه وانهاك الدولة ومؤسساتها تمهيدا لاسقاطها؟ اذا كان هذا هو مشروع نظام الاسد حيال لبنان فانه يتعارض جوهريا مع سياسات المجموعة العربية والمجتمع الدولي ومواقفهما. واذا ما أصر نظام الاسد على تنفيذ هذا المشروع فان حدة المواجهة بينه وبين دول عربية وغربية عدة ستزداد في المرحلة المقبلة، ولن يستطيع النظام السوري تحقيق أي مكاسب نتيجة اعتماده سياسته الخطرة هذه مهما فعل في لبنان وأياً تكن رهاناته، بل انه قد يواجه أخطارا ومصاعب غير متوقعة.