#adsense

لا حل الا بالاحتكام مجدّداً للصناديق

حجم الخط

 

بعد كل الهرج والمرج تحت عنوان “الديموقراطية ليست الصناديق فقط”، وبعد أن ضَرَبت الشعبويّة الطافحة أطنابها تحت عنوان “الشرعية للميادين”، عادَ المشهد المصريّ ليظهر لنا أنّ هذا “الربيع” لا يستقيم على مبدأ ولا على معيار حتى الآن، بحيث تظهر صيحات “فضّ الإعتصامين” مأزق القوى التي أطاحت “حكم الإخوان” و”ديكتاتورية محمد مرسي الصوَرية” ـ وهي “ديكتاتورية” لأن مرسي حصّن قراراته من قابلية الطعن بها، و”صوريّة” لأنه كان “طربوشاً” على جهاز دولة ليس منها وليست منه.

ومأزق هذه القوى التي أطاحت حكم الإخوان يتجلّى، من جملة ما يتجلّى به، في أنّها، إذ أطاحت بعد أقل من عام، من خلال الوقائع الانتفاضية الشعبية والانقلابية العسكرية، رئاسة منبثقة من الصناديق، تحت عنوان أنّ الشرعية لـ”الميادين”، فإنها صارت اليوم تعتبر ان المشكلة الأساسية مع الإخوان هي في استمرار اعتصام ساحتي النهضة ورابعة العدوية، أي انّها “اكتشفت” ان مشكلتها ليست بما تأتي به “الصناديق” فقط، بل بما يمكن أن توجده “الميادين” الأخرى من حالة شعبية، لا يمكن المكابرة عليها مطوّلاً تحت عنوان انّ هؤلاء “ليسوا مواطنين”، لأنّ أي تقسيم للمجتمع المصري بين “المواطنين” و”الإخوان”، لا يسحب فقط عنوة المواطنية من الإخوان، بل يلغي معانيها الحقيقية بالنسبة الى سائر المصريين.

فإذا كانت الحجّة انّ “ميداننا أكبر من ميدانهم”، انقلبت جمالية الفيضان الجماهيري، كما الحاصل في الثلاثين من حزيران الفائت، الى شكل مقلق من الإنقسام الأهلي، يستعيد المعنى الأصليّ لمقولة “الحرب الأهليّة”، أي الحرب التي يحارب فيها الأهالي بعضهم البعض. الا انّ هذا الاقتراب من المعنى الأصلي لـ “الحرب الأهلية” شيء، واندلاعها شيء آخر، كونها تستلزم أيضاً أن “يتعسكر الأهالي”، وهو ما لن يحصل في مصر، هذه الدولة العربية الأقرب الى تحقيق مقولة ماكس فيبير في “احتكار الدولة لمنظومة العنف الشرعي”، انّما في اطار احتكار “منظومة العنف الشرعي” هذه (الجيش) لمركز السلطة.

والحاصل، أنه، يوماً بعد يوم، تزيد مشكلة ساحتي نهضة ورابعة العدوية تعقيداً، ويتهافت كل “تبجّح” فاقد لشروطه، فاليوم، يكتشف المصريّون أنّه يمكن أن تكون الصناديق مشكلة، لكن أيضاً يمكن أن تكون الميادين مشكلة. فما العمل حينها؟.

لا حلّ في مصر الا بالعودة الى الاحتكام للصناديق. إطاحة ما تجيء به الصناديق لا يمكنه أن يكون “مشروعاً” الا اذا كان يمهّد لاحتكام متجدد لها في أمد معلوم، والمشكلة الأساسية مع اقتران الانتفاضة الشعبية بالعمل الانقلابي العسكري انها تجعل هذا الأمد غير معلوم، وانها تخلع ثيابها كلياً أمام البنى العميقة والحيوية للاستبداد الشرقي، مرة اذ تهوّن من أمر الصناديق في الديموقراطية، ومرة اذ تقرّ قاعدة جديدة لـ “الشرعية” هي الميادين، ثم تحرّمها على “الميدان الأخواني الدائم”.
لا حل الا بالعودة الى الصناديق، وكي تكون العودة مجدية، ينبغي الاعتراف بأنّ مصر تمتلك بالفعل قاعدة موضوعية لقيام نظام ثنائية حزبية بالشكل المثالي: الحزب الوطني المنحل، وجمعية الاخوان المسلمين التي عبثاً يحاول من يحاول، استئصالها.
اذا أتاح العسكر، و”قوى الثورة”، لهاتين الحيثيتين الجماهيريتين الممتدتين في كل انحاء البلاد المشاركة في عملية انتخابية، فان حقيقة التوازنات داخل المجتمع المصري ستظهر: كتلتان أساسيتان، واحدة للحزب الوطني، المباركي ـ “الفلولي”، وثانية للتيار الاسلامي، و”قوى الثورة” ما بينهما. طبعاً، عندما يصير ممكناً العودة الى الصناديق، لن يعود الحزب الوطني ولا الاخوان المسلمون الا في نسخة مختلفة جذرياً هذه المرة، بعد انتفاضتي يناير و يونيو. الشيء نفسه يقال في تونس، فـ “التجمع الدستوري” خلف فراغاً، ليس بمستطاع القوى اليسارية والليبرالية ملؤه في مواجهة حركة النهضة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل