ليس بريئاً ولا مصادفة ما يجري بين عرسال ومحيطها الشيعي. وفي المنظار الكبير، تظهر البلدة والبقع السنّية الأخرى المحاذية للحدود مع سوريا ـ السابقة ـ وكأنها عقبة في وجه منطقة النفوذ العلوية ـ الشيعية المنوي إنشاؤها عند طرفي الحدود.
الراسخون في العلم يقولون: “لن تمضي حكاية عرسال على خير. فالفتنة المذهبية الجارية بالتقسيط بين البلدة وجوارها ليس مدروساً لها أن تهدأ. وهناك كلام كثير في البقاع والشمال وسوريا عن “برنامج تنظيف مذهبي” يبدأ بالبلدة – الجزيرة السنّية التي يتلاطمها الموج الشيعي من كل الجهات، ويمتدّ صعوداً في المرحلة الأولى ليأخذ عكار في طريقه، ثم يتجه جنوباً نحو البلدات السنّية الكبرى، و”المتَّهمة” بإيواء التنظيمات والمجموعات الرديفة لـ”القاعدة”، و”جبهة النصرة” أبرزها.
سبق ذلك، ضرب الحالة الأسيرية في عبرا، ولاحقاً قد يكون مخيم عين الحلوة على اللائحة السوداء. إنها التكرارات المبرمجة لحرب نهر البارد… تتمّ مراراً “على الحامي”، ومراراً “على البارد”.
في اللاذقية يزداد ضغط القوى السنّية لـ”تنظيف” بعض المناطق في الخاصرة العلوية الرخوة. فالقرى التي يُهجَّر منها العلويون إلى الشمال الشرقي من المدينة لا تتمتع بالحماية الكافية ولا العمق الإستراتيجي. ويعمل المتشدّدون السنّة على ردّ الصاع صاعين للنظام والطائفة العلوية، بعدما أمعن في إستهداف السنّة في غالبية المدن والأرياف. ونماذج حمص وحماه وحلب ودمشق وأريافها، ونموذج القصير خصوصاً، حاضرة للعيان.
ولكن النظام قد يتَّخذ من الهجوم على القرى العلوية ذريعة لإرتكاب أعمال “التنظيف المذهبي” في المنطقة الساحلية، خصوصاً في المدن الكبرى التي يكاد يتساوى فيها عدد السكان السنّة والعلويين، والتي هجرها قسم كبير من السنّة حتى اليوم.
والخطر، في تقدير بعض المتابعين، أن النظام قد يستخدم الديموغرافيا اللبنانية للضغط على سنّة سوريا. وفي البداية سيهدِّد منطقة عرسال المرتبطة عضوياً بالثورة السورية، والتي تحمي الوافدين من سوريا وتقدِّم الدعم لهم. فالساحتان اللبنانية والسورية أصبحتا ساحة نزاع مذهبي واحد، أركانه هم أنفسهم في كلا البلدين. وعلى هذا الأساس، قد يتولّى الجيش السوري النظامي، إذا دعت الحاجة، “تنظيف” عرسال، أو تهجيرها، بوسائل مختلفة.
فـ”حزب الله” يتجنب أن يفعل ذلك بنفسه، ولا يريد أن يسجّل على نفسه أنه قام بعمل ذي طابع فتنوي مذهبياً. وكان لافتاً أمس أن المعارضة السورية هدّدت بـ”معاقبة” “الحزب” والردّ عليه عسكرياً داخل الأراضي اللبنانية. ولا يستغرب أصحاب هذه المقولة حصول تشابك عسكري مذهبي بين لبنان وسوريا، بعدما كان “الحزب” سبّاقاً في تنظيف منطقة سنّية، في الداخل السوري، هي القصير التي تبعد عن الحدود أكثر من عرسال. كما أن الجيش النظامي السوري تولّى العمل ميدانياً، وفي شكل مكثّف، على تخوم عرسال.
حتى اليوم، قام الجيش اللبناني بدورٍ في إطفاء الحريق. لكن المرحلة المقبلة قد تدفع الجيش إلى الإِحراج. وإذا شاءت عمليات الخطف المذهبي أن تمنع أهالي عرسال من مغادرة بلدتهم والتقوقع فيها إضطرارياً، فإن مواجهات عسكرية محتملة بين البلدة وجوارها قد تدفع هؤلاء إلى مغادرتها قسرياً، ما يؤدي إلى إفراغها من سكانها، ويجعل البقاع الشمالي “منطقة شيعية صافية”.
وفق هذا السيناريو، سيأخذ الشيعة في طريقهم، في مرحلة لاحقة، المنطقة العكارية المحاذية للمنطقة الساحلية العلوية، خصوصاً جبال أكروم. فهم يمتلكون القدرات اللوجستية في شكل غير قابل للجدل. وبعد ذلك سيرتدّون إلى منطقة البقاع الغربي السنّية (القرعون، مجدل عنجر وسواهما)، بهدف وصل المنطقة الشيعية الجنوبية بالمنطقة البقاعية فالساحل السوري، مروراً بريف دمشق وحمص. وهذا سيعني وقوع أحداث جليلة في لبنان وسوريا.
هذه هي الصورة الحقيقية لما يجري في بقعة الفرز المذهبي الممتدة حالياً من عرسال إلى دمشق وحمص وحلب وأريافها… وصولاً إلى اللاذقية وجبالها. وما يبدو اليوم من مناوشات ليس سوى عملية التسخين التي يلجأ إليها المتنازعون قبل النزول إلى الحلبة.