
“الرحلة كانت في كانون الثاني. ولكن التحضير لها أخذ شهورا طويلة، وكان الاستعداد النفسي والجسدي صعباً أيضاً. اضطررت لأن أقوم بفحوص طبيّة عدة. كما بدأت القيام بعدد من التمارين الرياضيّة القاسية قبل الذهاب بشهور عدة”.

نيفين أفيوني، نائبة رئيس التحرير في قناة “سكاي نيوز عربية”، تروي بعض فصول من مُغامرتها “المجنونة” الى أنتاركتيكا. مُغامرة تنافست من خلالها مع المُخيّلة فاذا بها تحوّل الواقع تفصيلاً صغيراً لا يستحق أن نقف في “محطته” مدة طويلة. وكأنه بكل عظمته ورهبته، لا شيء أكثر من الهدوء الموقت قبل العاصفة. تُكمل: “الفكرة كانت مجنونة ولكنها رائعة. أنا أعشق السفر واستكشاف أماكن جديدة وغير مألوفة للانسان كثيراً. وأنتاركتيكا هي أحد هذه الأماكن. وبزيارتي لها أكون قد أكملت كل قارات العالم”. كانت رحلة “مثيرة جداً”، وبفضلها أصبحت أول اعلامية عربية وأول فتاة لبنانية تصل الى أنتاركتيكا، و”تُعد تقارير ووثائقياً من هناك”. ذهبت نحو هذه المُغامرة التي بدّلت من خلالها واقع الحال، “على متن سفينة بحث فرنسية، تُديرها شركة أميركية، قبطانها ألماني. لم يُرافقني الى هناك الا مصوّر واحد يُدعى جيمس آلن”. وكان على متن السفينة سياح “غالبيتهم مسنون قرروا أن يُنفقوا تقاعدهم في آخر العالم، اذ ان الرحلة مُكلفة جداً”. تروي: “أبحرنا الى أنتاركتيكا من أشوايا حيث لا خطوط طيران الى هناك لخطورة ما قد تحمله الطبيعة”. والرحلة التي استغرقت يومين الى أنتاركتيكا كانت على قول ابنة طرابلس، “شاقة للغاية… تدريجاً بدأنا ننقطع عن كل العالم. لا هواتف تعمل، لا انترنت، ولا جهاز تلفزيون. لا شيء يصلك بالعالم الذي لا تعرفين، وهنا تكمن جمالية هذا الجزء من كوكبنا غير الشبيه بعالمنا على الاطلاق”. وعبر هؤلاء الحالمون الذين قرروا خوض المجهول من خلال المغامرة الأشبه بالخرافات، الى مسطحات مائية يزيد عمقها عن 4500 متر!! ولأتخيل هذا العمق ضاعفت ارتفاع برج خليفة وهو أعلى برج في العالم بست مرات! أذكر حينها انني تناولت منوماً كي لا أفكر بهذه الاخطار”. لم تتخيل في حياتها، “أنني سأدهش لمنظر جبال بيضاء يجثو لها المحيط وبدورها تُعانق السماء كما كانت أنتاركتيكا. دمعت عيناي عندما خرجت الى شرفتي لمشاهدة المناظر الأولى منها. ثوب أبيض ترتديه الطبيعة لتظهر لنا بأبهى حللها”. وبدت لها أنتاركتيكا، “كأنها ملعب للحيتان والفقمات وطيور البطريق الشقية. لا أعتقد أنني سأرى أجمل وأنقى من هذا المنظر في أي جزء من الأرض”. أبحروا ليوم كامل بين هذه الجبال التي استولت على عقل أفيوني. يوم كامل، “قبل أن نصل الى محطتنا الأولى التي يسمح لنا بها النزول الى اليابسة. كانت الساعة السابعة صباحاً حيث تم ايقاظنا بمكبرات صوت داخل غرفنا. المكبرات التي كانت تؤرق نومي. وللطرافة لم أكن أعلم كيف أطفئها حتى اليوم الأخير على السفينة في رحلة العودة. وكنت لشدة تعلقي بالسرير الدافئ لا أتناول طعام الافطار الصباحي فأعود جائعة جداً الى السفينة وقت الغداء”. وعندما وصلوا الى أنتاركتيكا، “كنت كمن وصل الى كوكب جديد! رحت أتلمس حجرها وأنظر بعين المُتعجب الى البطاريق التي كانت كثيرة هناك. صعدت الى جبل مُرتفع لأنصب وبفخر علم قناتي سكاي نيوز وعلم بلدي لبنان”. وكانت أفيوني تمضي يومياً، “30 دقيقة ولمدة 11 يوماً لأرتدي ملابسي لا سيما في أنتاركتيكا وطقسها البارد. يصل وزن هذه الملابس الى أكثر من 20 كيلوغراماً. وأهرع بعدها مع المصور لمُغادرة السفينة على متن قوارب مطاطية صغيرة. ولا يُسمح لأحد بأن يُغادر السفينة قبل تعقيم الأحذية خوفاً من حمل أي فيروسات الى اليابسة. كما يتأكد فريق السفينة من ارتدائنا لسترات النجاة في الشكل الصحيح لأن عمق المياه قرب الشاطئ يتجاوز مئة متر تقريباً”.
عملوا على اليابسة، “لنحو 7 أيام. كنا نُقيم على السفينة ونغادرها مرتين يومياً، صباحاً ومساءً. والمساء لا يختلف عن الصباح من حيث قوة النور، اذ لا ليل صيفاً في أنتاركتيكا، ومعضلة الليل هذه، على روعتها، الا أنها تسرق الوقت، فلا أتنبه الى التوقيت الا بعدما أنظر الى ساعتي أحياناً. ومن المعروف ان لا توقيت في أنتاركتيكا، وجرت العادة أن يتبع زوارها توقيت البلد الذي أبحروا منه، وكان الأرجنتين”. بحثنا عن لقطة تلفزيونية فريدة، “كنا نتسلّق الجبال في الطقس الرديء مع اشتداد الرياح. وكانت تغرق أرجلنا في الثلوج ونقع في أحيان كثيرة… وأعتقد أنني حطمت رقماً قياسياً في الوقوع على الثلج هناك”. والرائع في أنتاركتيكا، “أنها لا تذكرك بشيء. فلا شيء يُشبهها، وليس هناك ما هو أنقى منها. ورغم صعوبة الوصول اليها لا مانع لدي في العودة الى هناك. في أنتاركتيكا شعرت أنني طفلة تلهو على كوكب جديد، لا تزعجني فيه رنة هاتف، ولا رسائل نصيّة أو الكترونية، عالم استمتعت فيه بأسلوب حياة جديد لا يوجد إلا هناك”. لُتنهي: “أؤكد انه لولا الفكر المُنفتح للمدير العام للقناة نارت بوران، وتشجيع ومُساعدة مدير غرفة الأخبار عرار الشرع وقسم التخطيط عادل صالح وقسم التسويق، لما نجح هذا المشروع”. وكانت الفكرة، “جديدة ومن الصعب الصعب الاقناع بقبولها، فهي مُكلفة وخطيرة جداً، وفرص العودة من هناك تكاد تُضاهي فرص عدم النجاة”.
عادت نيفين أفيوني من مُغامرتها المجنونة، ولكن بعد مُتابعة تفاصيل يوميّاتها، قد يرى بعضهم أن قطعة منها بقيت هناك… حيث كل شيء أنقى… وحيث الزوايا تعيش خارج اطار الزمان.
