#adsense

مصر إلى أين؟

حجم الخط

هل يتحوّل كل يوم جمعة في مصر إلى حرب صغيرة بين الإخوان والجيش، وصولاً إلى “السورنة”؟

بداية، لا الإخوان “شياطين” ولا الجيش “ملائكة” والعكس صحيح. “شيطنة” هذا الطرف أو ذاك، خطأ يصبّ الزيت على نار الصدامات. المواجهة الأولى بعد الثورة الثانية في 30 حزيران، كانت طبيعية خصوصاً وأنّها كانت شعبية. المؤسسة العسكرية استثمرت الغضب الشعبي و”التمرّد” على حكم الإخوان، ونجحت في هذه المهمة. القوى المدنية في مصر تحرّكت وحرّكت الشارع بطريقة نادرة ومفاجئة. لكن هذه القوى غير المنظمة وغير المؤهلة لمواجهة “جحافل” الإخوان المنظمة، والتي ثبت ميدانياً، أنّها تضم “ميليشيا” مسلحة جيداً، كانت ستهزم ويعود الإخوان إلى السلطة أقوى مما كانوا، ليتابعوا هذه المرّة من دون مقاومة “أخونة” مصر، وجعل “المرشد” و”لياً فقيهاً” بطريقة أو أخرى يحكم مع خيرت الشاطر مصر.

ما يعزز ذلك أنه يوجد كما يتوضح الآن، مشروع “لأخونة” معظم الدول العربية على قاعدة أنّ حكم “الإخوان الاردوغانيين” قد أصبح مثالاً لبناء مثل هذا النظام الواسع. نسي الإخوان ومَن وقف معهم أنّ في تركيا مجتمعاً مدنياً نضج على نار التجربة العسكرية أولاً ثم الأربكانية ثانياً، وأنّ حزب “العدالة” الذي يقوده أردوغان يستند إلى تحالف واسع مع هذا المجتمع المدني، ولذلك في اللحظة التي حاول فيها القفز فوق هذا التحالف تمهيداً “لأخونة” تركيا اصطدم بـ”الجدار المدني” وعرف حدوده.

صدامات الجمعة، تؤكد أنّ الإخوان لم يتحمّلوا الخسارة القاسية التي تلقوها، وبدلاً من أن يدرسوا ويستفيدوا من تجربتهم القصيرة في السلطة، تمهيداً للدخول في مسار جديد يقوم على مشروع حقيقي للتعاون والتعامل مع مكونات المجتمع المصري المسلم وليس الإسلامي، إذا بهم يعتمدون “النار والحديد”، وهم لم يكتفوا بذلك بل فتحوا النار على مكوّن أساسي لمصر وهم الأقباط، وكأنّهم يريدون إشعال حرب طائفية على طريق إرباك المؤسسة العسكرية تمهيداً لإرضاخها وإرجاع الحال إلى ما قبل 30 حزيران.

أمّا المؤسسة العسكرية، فإنّها الآن واقعة بين “سندان” القوى السياسية والمدنيين الرافضين “لأخونة” مصر و”مطرقة” الاخوان، الذين كما يبدو حتى الآن مستعدين للذهاب بعيداً في تجربة القوة. ما يساعدهم في ذلك موقف غربي خصوصاً أوروبي يدعمهم بطريقة أو أخرى بقوّة في مواجهة المؤسسة العسكرية. وراء هذا الدعم المدعوم أميركياً، رؤية بأن تسلم الأخوان السلطة في مصر وغيرها من الدول العربية، يصنع “درعاً” واقيةً في مواجهة التطرف الأصولي و”القاعدة” وأخواتها. ما ساهم في ذلك أنّ الاخوان فتحوا “أنفاقاً وممرات” على واشنطن ولندن وقدموا كل التنازلات الغريبة أحياناً حتى يصبحوا مقبولين من هذه العواصم في السلطة.

المؤلم في ذلك، أنّ مشروع أخونة مصر وغيرها قد سقط من دون أن يسقط الإسلاميون. والأخطر من كل ذلك أنّ الفشل والإحباط وحتى القمع الذي قد يزداد تطرفاً مع استمرار الصدامات، سيؤدي إلى ولادة تنظيمات إسلامية متطرّفة جديدة، أكثر حقداً وأعمق تجربة من كل ما سبق. ولذلك فإنّه إذا هدأت في مصر بعد فترة فإنّ سيناء ستتحوّل إلى أرض مكشوفة أمام هذه التنظيمات والتجمعات الوليدة. ومن مآسي أو مهازل هذه الولادة أنها ستجبر القاهرة أياً كان حاكمها، على التعاون الوثيق مع إسرائيل أمنياً وحتى عسكرياً في المستقبل القريب. لأنّ هذا التحوّل في سيناء سيحوّلها إلى همّ مصري إسرائيلي مشترك. ولذلك إذا كان “الإخوان المسلمون” بقيادة خيرت الشاطر وعصام العريان ومحمد البلتاجي قد قدموا كل التنازلات خصوصاً للأميركيين (كما كشف ذلك سعد الدين ابراهيم الذي لعب دور الوسيط بعد خروجه من السجن) ليصبحوا مقبولين في السلطة، فإنّ الذين أملوا أن يعملوا مستقبلاً على إلغاء كامب دايفيد، سيجدون أنفسهم مستقبلاً أمام علاقات مصرية إسرائيلية معقّدة، خصوصاً وأنها ستُبنى تحت مظلة الخطر الإرهابي المشترك.

المؤسسة العسكرية قوية، لكنها ليست كما كانت في السابق، والفريق السيسي ليس جمال عبد الناصر، والزمن مختلف جداً. عندما قام عبد الناصر بثورته ولحقه الآخرون من الضباط في انقلاباتهم لم تكن المجتمعات العربية قد استيقظت ولم تكن مؤهلة للديموقراطية. اليوم، رغم عدم نضج كل المجتمعات العربية، فإنّ المجتمع المصري كما أثبت في ثورتي 25 يناير و30 حزيران قادر على فرض “ديموقراطية الأقدام”. السيسي والمؤسسة العسكرية ستحسب ألف حساب قبل الانخراط في أي ممارسة ديكتاتورية. وهذا هو جزء من مفاعيل “الربيع العربي” الإيجابية.

مصر تبقى المركز في الوطن العربي. “السورنة” لن تضرب مصر، هي لن تكون سوريا ثانية. الجيش المصري مؤسسة وطنية وليس تجميعاً لوحدات تحكمها المصالح الطائفية والمالية. من الواضح أنها أسقطت حكم الإخوان. وهي قادرة على إسقاط حكم “العسكر”. مصر قالت لا للإخوان وهي قادرة أن تقول لا للعسكر. هذا ليس تفاؤلاً غير واقعي، بالعكس، المجتمع المصري ينضج ضمن الآليات التاريخية التي عرفتها دول أخرى. تركياً، جاء أربكان وأطاح به الجيش التركي. لكن ذلك مهّد الطريق أمام إطاحة الجيش على يد أردوغان الذي سيبقى أسيراً لحركة المجتمع المدني التركي الناضج، القادر على الإطاحة به في أي انتخابات قادمة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل