#adsense

عن “هدير” الديموقراطية

حجم الخط

عن "هدير" الديموقراطية

تختلف النظرة الى الحشد غداة احتشاده عن لحظة تجمعه لأن ما بعد اللحظة الساخنة المنفعلة هو الأبقى من دون تقليل شأن هذا الانفعال. يفترض إذاً النظر الى هذا الدأب المتعاقب للسنة الرابعة على التقاطر والاحتشاد في 14 شباط او في 14 آذار بغير المعيار التقليدي المتصل بالرقم والعدد، ومعاينة سلوك المتقاطرين وماذا يريدون ولماذا لا تزال الظاهرة على تنام وازدياد.

أفضل ما كان في 14 شباط هذه السنة ان هدير الناس لم يكن على شاكلة هدير السياسة. "الجمهور" يحيي ذكرى دموية مفجعة من دون حوربة، وبلا حداء. الشهيد، صاحب الذكرى، بالتأكيد كان رمز سلام والذين تعاقبوا بعده شهداء في حرب الاغتيالات ما كانوا قادة فيالق. 14 شباط افجع ما فيها انها اغتيال لمنطق السلم وكاد ينجح في اخذ لبنان الى لجة العنف والاحتراب الاهلي. وهي في المقلب الآخر الارتدادي انقاذ اسطوري لتجنب ذلك الجحيم الذي اريد للبنان ان يحترق فيه. هذان الوجهان الصارخان في الرمزية المتعاكسة حملهما جمهور جرّار مرة اخرى في المرة الرابعة. هذا الجمهور لا يزال مأزوماً بكابوس الرعب والا لما كان حضوره المتدفق على نحو فاجأ زعاماته نفسها بهذا الحجم. ولكنه ايضا اختبر بل و"اعتاد" ثقافة الامعان في تحدي الخوف، ولكن خوفه هذه المرة جاء فرحاً مهللاً. وهذا يعني ان افضل ما قدمه هذا التدفق والتقاطر "غير المحسوب" هو انه رسم وظيفة جديدة اضافية لعلها الاهم اطلاقا بعد المسار السيادي ونشوء المحكمة الدولية وهي حراسة الديموقراطية.

يمكن الاعتبار ان ناس 14 آذار، الذين تحركوا بدافع من اقتراب اللحظة الانتخابية على ما توحي كل مؤشرات الحشد قبل حصوله وخلال حضوره، وان جموعاً على هذا الاتساع من التنوع والتعدد باتت قضيته الطارئة الجديدة الديموقراطية اللبنانية بمعناها الرحب. بذلك سيكون على "قوى" 14 آذار ان تلتقط الرسالة قبل سواها ما دامت تشعر بالعرفان حيال جماهير وقواعد شعبية لا تتمتع واقعا بـ"وحدة" عقيدة سوى انها تقدم البراهين المتعاقبة على انها تنضوي تحت لواء الديموقراطية والتعددية. ويكتسب هذا البعد ذروة اهميته مع انطلاق الحمى الانتخابية ومشارفة لبنان على خوض اختبار فريد بين مشروعين كأنه في نظام الحزبين الذي يعتبر الاعرق في الديموقراطيات الغربية الكبرى.

ذلك انه عامل جميل حقاً، وربما هو اجمل من ان يصدق، ان يقطر الجمهور قادته الى تطور مختلف وجديد للاولويات على نحو ما يتراءى لبعضنا ان يستخلص من 14 شباط 2009. من ذلك ان يكون جمهور 14 آذار "يفرض" حراسة الديموقراطية كأولوية مستجدة طارئة على قياداته وزعاماته، فيغدو هو الزعيم الحقيقي كما فعل في اليوم المشهود لـ14 آذار 2005.

فما بين "آذار وآذار"، على ما حلا لزعيم "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط ان يقيم المعادلة، ثمة اولوية ضخمة نشأت ويقترب استحقاقها اكثر من "الانتظار" الذي تحدث عنه أمام امواج الناس التي تبحر ولا يوقفها الانتظار. وهذه الاولوية لم يعد ثمة شك في انها توازي استحقاقات السنوات الاربع التي مرّت لأن الديموقراطية اللبنانية، على علاتها، هي الرئة من موقع الجسم اللبناني اذا كانت السيادة هي قلبه. ديموقراطية الدولة كما ديموقراطية الاحزاب والتيارات، كما الديموقراطية الشعبية التي تفتح شرايين الناس على الناس وجمهور 14 آذار على جمهور 8 آذار وسائر الجماهير المحيدة والحائرة، هي "العدوى" الحميدة التي يحلو للبنانيين في كل المواقع ان يظنوا ان جمهور 14 آذار ازدهى باطلاقها من ساحات بيروت المفتوحة. وعساها تنتشر على سائر الارجاء لتبدد سليقة العنف وانماطه التي عادت تطل برأسها كأنها كمائن يخشى ناصبوها الهواء النظيف.

المصدر:
النهار

خبر عاجل