“ولا ينبيك عن خلق الليالي كمن فقد الأحبة والصحابا
ومن يغتر بالدنيا فإني لبست بها فأبليت الثيابا”
أحمد شوقي
في البداية لا يمكن إلا الوقوف بكثير من الحزن أمام هول المأساة التي ضربت الناس الآمنين في الضاحية الجنوبية والغضب من بشاعة هذا العمل الذي لا يمكن وصفه إلا بالجبان والإرهابي، وهو عمل يضاف على المستوى الوطني والإنساني إلى سلسلة العمليات الإرهابية الطويلة التي طالت لبنان منذ محاولة اغتيال مروان حمادة مروراً باغتيال رفيق الحريري وسائر الإغتيالات وعمليات التفجير.
في الوقت نفسه، لا بد من القول ان مشاهد الإحتفال المحدودة التي نقلتها بعض وسائل الإعلام لا تعبّر إلا عن الغباء والنذالة والإستقالة من الإنتماء إلى صنف البشر والإنتساب إلى صنف الوحوش.
قد ينبري البعض إلى القول ان ما يبرر هذا السلوك المخزي هو أن جمهور “حزب الله” لم يخجل من الإحتفال العلني وتوزيع الحلوى بعد بعض الإنفجارات التي طالت نواب قوى آذار وقيادييها، ولكن النذالة لا تواجه بمثلها.
أما بالعودة إلى الوقائع فنرى أن حسن نصر الله أخرس كل المحللين الموظفين لديه الذين أصروا على اتهام إسرائيل بالجريمة وإبعاد الشبهة عن أساس المشكل وهو تورط حزب ولاية الفقيه في الدم السوري.
لقد صرح نصر الله بأن اتهام إسرائيل واجب، ولكنه ركز على توجيه الإتهام وتصعيد التهديد باتجاه من سمّاهم “التكفيريين في سوريا”، بالطبع فقد حاول أيضاً التلميح الى أن يكون هؤلاء عملاء لاسرائيل.
الواقع هو أنه قد يكون مع نصر الله بعض الحق، فقد استفادت إسرائيل إلى أبعد الحدود من التطرف ومظاهره والخطابات العنترية والشعارات التي تنضح حقداً وكراهية، وقد استخدمتها دولة الظلم والعنصرية إلى أقصى الحدود لتبرير وحشيتها ضد الفلسطينيين وفي تعنتها وإصرارها على تجنب أية تسويات.
لذلك فإن كانت “جبهة النصرة” ومثيلاتها من مخلفات جنون تنظيم “القاعدة” قامت بواجباتها في تشويه صورة المسلمين المهزوزة أصلاً وبالتالي في خدمة قضية الصهيونية، فإن عنتريات نصر الله وتهديدات الحرس الثوري كانت المدخل لنوائب سبقت وستلحق في المستقبل.
لم يكن من الصعب كشف التناقض الفاضح والمقارنات الركيكة في خطابه الأخير، فهو من جهة حث جمهوره على تجنب الفتنة وفي الوقت نفسه أصر على الإستمرار في مسبباتها. وحذر من وجود لبنان على حافة الهاوية وأصر على أنه سيبقي لبنان على شفيرها. وشدد على مسؤولية الدولة عن الأمن والإدارة وأكد أنه سيستمر في التصرف على هواه في الأمن والسياسة والعسكر، وهذا كله قمة النفاق.
أما المقارنات الركيكة فكانت عند قوله ان حزبه يقتل السوريين بأخلاق عالية ومهنية لا شائبة فيها!، في حين أن التكفيريين يقتلون البشر بوحشية، وبصراحة لم أفهم الفرق بين القتل بمهنية والقتل الوحشي؟.
كل ذلك لا يمكنه أن يوحي بأن براميل بشار المتفجرة وصواريخ السكود تمارس القتل الرحيم أو الإنتقائي فتنتقي التكفيري وتترك الليبرالي، أو تقتل البالغين من الذكور القادرين على حمل السلاح وتعفو عن النساء والأطفال!.
وماذا يقول نصر الله عن ممارسات شركائه من الشبيحة، فهل الذبح الذي مارسوه كان حلالاً في حين نسي أعضاء “جماعة النصرة” أن يبسملوا عند ضحاياهم؟.
الواقع أن كل ذلك لن يفيد في تغيير شيء في المعادلة القائمة، فنصر الله لن ينتصر في سوريا مهما كابر واستكبر، ولن تتمكن كل التضحيات بدماء اللبنانيين من ميليشياته من إنقاذ بشار. كل ما يحدث اليوم هو إطالة عمر المأساة وزيادة عدد الضحايا ومضاعفة حجم الدمار، وأكثر من ذلك الإيغال في إذكاء نار الحقد والكراهية وبالتالي تفلت الفتنة من القدرة على السيطرة عليها، كما قال هو نفسه في خطابه.
كل ما وعد به هو أنه سيستمر في مكابرته وفي تورطه في خدمة مشروع الولي الفقيه الأسطوري وسيذهب هو نفسه إلى سوريا، وبالتالي وعده الصادق اليوم لجمهوره وللبنان بأن الآتي الأعظم.