نذهب بكامل عنجهيّتنا وجهوزيّتنا إلى براكين سوريا، نتشارك ونظامها في ظلم شعبها المقهور وقتله، نكفّره كله، نُشيطنه بالجملة، نتحداه في عقر داره، نحوّل أرضه ساحة لتصفية الحسابات وندعو كل خصوم الكون المفترضين إلى مبارزتنا هناك وهناك فقط ومن ثم نتعجب لردود الفعل الإجرامية المتوقّعة أكان في الضاحية أو في غير الضاحية التي تحتفل بأعراس الشهادة فداءً لبشار الأسد، الذي لا يغيب طيف نظامه عن بال أحد لحظة وقوع كل جريمة وأي جريمة.
أما الخطف، وما أدراك ما الخطف، حيث استبدلت شريحة وازنة في الموزاييك المجتمعي اللبناني منطق الدولة بمنطق العشيرة، هذا المنطق الغوغائي الذي أخذ شرعيته من المثلث الممانعاتي الذهبي المعروف “جيش وشعب ومقاومة” بعد أن ضرب المثلث الأصلي “أرض وشعب ومؤسسات الدولة” الذي يضمن سيرورة البقاء على قيد الأنظمة. بالمناسبة، هل سألت المقاومة ما هو رأي الجيش والشعب بمشاركتها في ذبح الشعب السوري، هل أخذت موافقة أو إذن الشريكين في القتال خارج الجغرافيا اللبنانية وليس في مواجهة إسرائيل؟
هل قرأ “حزب الله” تجربة غيره في الأمن الذاتي، هل سأل ما هي الأثمان الاقتصادية المترتبة على البيئة الحاضنة قبل غيرها لحظة تصبح الضاحية الجنوبية “غيتو” خاصاً، لا يدخله المسيحي ولا الدرزي ولا السني ولا السائح ولا حتى الشيعي المؤيد أو غير المؤيد لـ”حزب الله” بفعل الخوف من المتفجرات المتنقلة من جهة والانزعاج من التدابير الحزبية فوق العادية من جهة أخرى؟ هل قرأ تجربة الفريق المسيحي الذي خاض تجربة المقاومة ودفع أبهظ الأثمان والشهداء؟ هل قرأ تجربة الدروز في الحرب وما تركته من ندوب وندم وشهداء وإعادة قراءة ومصالحة؟ هل قرأ تجربة الأحزاب والقوى الوطنية وحركة “أمل” والفلسطينيين وكل من رأى في منطق التقوقع خلاصاً قبل أن يكتشف جميع هؤلاء باستثناء “حزب الله” وبيئته الحاضنة أن منطق الدولة هو الخلاص، لا منطق شريعة الغاب والاستقواء بالحديد والنار والخطف؟
هل تُعالج جريمة احتجاز اللبنانيين في أعزاز بخطف مماثل لطياريَن تركيين لا ناقة لهم ولا جمل؟ وهل يحق لنا إسقاط المنطق نفسه على جريمة خطف المطرانَين بجريمة خطف مماثلة فقط على سبيل المثال؟ كم هو مؤسف أن ننجرّ مرغمين للحديث بمنطق يبدو مذهبياً في حين هناك بيئة واسعة من اللبنانيين (أنا منها)، لها دينها ومذهبها الذي تفتخر وتتمسك به، لكنها تحترم باقي الأديان وجميع المذاهب. كم جميلٌ أن يجد الأرثوذكسيّ نفسه شيعياً في حال كان أهلنا الشيعة في خطر، أو يشعر الدرزي أنه ماروني لحظة استهداف الموارنة بالسوء، أو يشعر السني بكاثوليكيته لو تعرض الكاثوليك لأي اعتداء أو العكس. من يسرق منّا مواطنيتنا الصالحة محاولاً تسخيرها لخدمة القوقعة والتجارة والمذهبة؟ تباً لهذا الزمن الرديء الذي نبحث فيه لاهثين عن وطن، ليعيدنا هذا المنطق العشائري الميليشيوي البغيض إلى المزرعة، لنسأل أنفسنا صبحاً ومساء، أيهما بالنسبة الينا أفضل، الذهاب بأرجلنا إلى لعبة “الصولد” العسكرية الخاسرة سلفاً أم التمسك بإعلان بعبدا الذي يجنبنا جميع الويلات المتوقعة؟ أما حان الوقت لتغليب منطق العقل على المنطق المجنون، كم من الدماء والخسائر سندفع لنكتشف سوء خيارنا القاتِل، أيضاً يحق لنا أن نسأل أنفسنا، نحن جماعة منطق الدولة، “هل نحن جبناء أم عقلاء”؟