“أحلم حلم المستحيل حاملاً آلام السفر
أحترق من حمى الجنون أسبح في بحر الخطر
أغامر دون دروع أو سلاح في وجه القدر”
(جاك بريل)
بصراحة أنا أتفهم نصرالله، فلو كان أي من الناس في موقعه، مرتبط بفكرة عقائدية أسطورية يعتمد الجزء الأكبر منها على معطيات ماورائية تفترض أن معجزة ستأتي في وقت الحشرة لمد يد العون، أو أن التمادي في التضحيات والصبر سيؤديان في النهاية إلى تحقيق المستحيل، سيفعل مثل فعله خصوصاً عندما يطرب بقول بعض الناس على الشاشات: “فدى إجرو للسيد”.
لذلك فمن المؤكد أن الأمور ذاهبة بسرعة إلى الأسوأ وبالتالي فإن تحذير السيد من أن الأمور قد تخرج عن السيطرة في مرات قادمة محتملة هو مستغرب وصادم في الوقت نفسه.
لم نفهم بالضبط إلى من وجّه هذا التحذير، فهل هو للدولة وهو قد اختطفها وشل مفاصلها أم إلى الطرف الآخر المعارض له بالسياسة والذي دفع ثمن معارضته العشرات من الشهداء على مدى ثماني سنوات، وهل ما قصده هو تحميل أحد الطرفين المسؤولية مما يعني فتنة مفتوحة؟
ولكن إن كان التحذير موجهاً لمن يتهمهم بالجريمة، وهم التكفيريون أو إسرائيل أو الإثنان معاً، فإن تحذيره لهم بأن فعلتهم ستؤدي إلى تفلت الوضع من السيطرة واشتعال الفتنة، هو عملياً بمثابة تشجيع لهم على تكرار فعلتهم، لأن الفتنة هي هدفهم.
ما لنا ولكل ذلك، ولنعد إلى طرح الاحتمالات المنطقية بما خص الجهة الفاعلة:
– التكفيريون، وهم فئة جزء منها تعاون مع النظام السوري السابق عندما استدرجها بعد احتلال العراق واستعملها للتخريب هناك وساوم عليها مراراً وتكراراً وصدّر بعضاً منها إلى لبنان في ملف شاكر العبسي و”فتح الإسلام”. وعلى كل فهي فئة متعطشة للخراب ونصر الله على حق بأنها قتلت من السنّة أكثر بكثير من الشيعة. ولكن المؤكد هو أن الدخول إلى سوريا والاستفزاز المزمن لحزب نصرالله في لبنان فتح الباب لها وجعل لها بعضاً من البيئة الحاضنة.
– المقاومة السورية، وهنا لا يمكن تحديد توجهات عقائدية معينة سوى أنها تأتي في سياق حرب مفتوحة أكد نصرالله أنه جزء منها. يعني أن البيئة الحاضنة للحزب قد تشكل هدفاً لردود الفعل من هذه المقاومة. وهذا التفجير، وإن كان عملاً مداناً وإرهابياً، ولكن الحروب المفتوحة والعداوة المفتوحة سوغت تاريخياً هذا النوع من العمليات، ويكفي أن نشير إلى أن عداوة المقاومة السورية تجاه حزب الله تساوي أو تفوق العداوة مع إسرائيل في المعطيات الحالية.
بالمحصلة فإن الحزب هنا قد فتح الباب مشرعاً أمام هذا النوع من الأعمال لكونه حليفاً كاملاً للنظام الساقط في سوريا.
– الاحتمال الثالث هو نظام بشار وأعوانه والذين يريدون تعميم الخراب ودفع نصرالله إلى القول بأنه مستعد لدفع الآلاف من ميليشياته نحو سوريا وأنه هو نفسه سيذهب إلى هناك. ونصر الله نفسه يعلم أن المنظومة الحليفة له لا يردعها لا أخلاق ولا قواعد في تصرفاتها فمن يدمر بلده ويقصف ببراميل المتفجرات والسكود والكيماوي لن يرتدع عن زرع متفجرة تساعده على تحقيق أهدافه.
– أما وقد اعتبرت فرضية الانتحاري قليلة الاحتمال بعد التحقيقات، فتعود إسرائيل لتكون في صدارة المتهمين. فقد تكون الجريمة رداً انتقامياً على متفجرة بورغاس، ولكن الاحتمال ضعيف لأن الرد عادة يكون باستهداف أمني لرموز من الحزب. ولكن إن كان الهدف هو ضرب الجبهة الخلفية لحزب الله وزعزعة ثقة جمهوره بقدراته فمن المنطقي توقع عمليات أخرى في سياق التحضير لعمل أكبر قد يكون بحجم الكارثة، وبدأت بعض الجهات المخابراتية بتسريبه إلى الإعلام على شاكلة حرب مدمرة في الجنوب.
هذا يعني أن الأمور، مع كل الاحتمالات التي سبقت، ذاهبة إلى الأسوأ ومع ذلك فهناك حل بسيط وممكن ولكنه مستحيل من دون موافقة نصرالله.
الحل هو بالعودة إلى ما طرحه الرئيس سعد الحريري منذ أيام وهو أولاً الانسحاب بشكل كامل، ويمكن الاتفاق على الخروج حتى إعلامياً وسياسياً وإنسانياً.
وثانياً تأليف حكومة وحدة وطنية بعد ذلك بالتوازي مع انطلاق الحوار الوطني حول حصر قرار استعمال العنف الشرعي بالدولة وحل كل الميليشيات وجعل السلاح بإمرة السلطة الشرعية.
وفي الوقت نفسه مطالبة مجلس الأمن بتثبيت القرار وحماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية بعد سحب كل ذرائع العدو.
قد لا يؤدي ذلك كله إلى ردع العابثين بالأمن وقد يدفعهم إلى الاستكلاب في تنفيذ جرائمهم، ولكنها الوسيلة الوحيدة الآيلة إلى تصليب عود المجتمع اللبناني وتفتيت البيئات الحاضنة للإرهاب واقتلاع الفتنة وسحب ذرائع التشفي والشماتة، وتفادي ردود الفعل غير المحسوبة التي تحدث عنها نصرالله. وكما قال جون لينون:
“قد يقول البعض أنني أحلم.
ولكنني لست الوحيد
أملي بأن نتلاقى يوماً
وتعود الوحدة بين الناس