ويبدو أيضاً أن كشف هذا الجانب الأساسي في التقدم الأمني الكبير، أول ما أحرج وزير الإتصالات نقولا صحناوي، المعني مباشرة بالتقصير والمماطلة والإمعان في حرمان الأجهزة من القيام بدورها، ما ساهم عن قصد أو غير قصد، في تمكين الشبكات الإرهابية من التمدد وزرع خلاياها الأمنية في كثير من المناطق، وإطلاق يدها في مواطن كثيرة، فضلاً عن منع الأجهزة من تعقب خلايا الإغتيالات السياسية، التي نفذت عملياتها بنجاح وآخرها إغتيال رئيس شعبة المعلومات اللواء الشهيد وسام الحسن.
من حق الوزير أن يتملّص من ممارساته التي تكفي تداعياتها الخطيرة لزج أي مسؤول في السجن في حال أقدم على ما أقدم عليه الوزير “الإصلاحي”، لو كان في لبنان دولة تراقب وتحاسب، سيما وأن البلد بات غارقاً بالدماء، وأن الشبكات الإرهابية إستطاعت أن تبني خلاياها بهدوء، وتبني بنك أهدافها بعيداً عن رقابة الأجهزة الأمنية، لا سيما الجهاز الأكثر فاعلية في رصدها، وهو شعبة المعلومات التي استطاعت تفكيك العشرات منها في فترة زمنية قصيرة جداً، كما أن الوزير صحناوي يدرك أن بيان الأسطر العشرة الذي أصدره أمس، لن يبدد ما اقترفته يداه، ولن يغطي موبقات من يقف وراءه ويحرضه على ذلك، ولن يتمكن من تضليل الناس.
يعلم صاحب المعالي قبل غيره، أن معظم ما جاء في بيانه يجافي الموضوعية، لا بل يحاول طمس الحقائق وذر الرماد في العيون، ويعلم ايضاً أنه لم يخالف القانون فحسب، إنما تمرّد على أوامر رؤسائه وأولهم رئيس الحكومة نجيب ميقاتي قبل أن تستقيل حكومته، وخالف توصيات حتى وزير الداخلية الذي استشهد به امس، ويعلم يقيناً أن تمرّده على إعطاء الداتا لدواعٍ أمنية وطنية منذ محاولة إغتيال رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع، كان السبب في الوصول الى محاولة إغتيال النائب بطرس حرب، وأوصل البلد الى إنكشاف أمني خطير للغاية، كانت احدى ثمراته جريمة إغتيال اللواء الشهيد الحسن في الأشرفية.
لا داعي لتذكير الناس، فذاكرتهم حيّة تماماً وهم من عايش الصراع الطويل، بين الأجهزة الأمنية وتحديداً شعبة المعلومات، وبين الوزير صحناوي وفريقه السياسي مدعوماً من قوى الثامن من آذار مجتمعة برفض إعطاء الداتا في الكثير من المحطات، وهذا الصراع بدأ مع محاولة إغتيال جعجع مطلع نيسان من العام 2012، مروراً بما تسرب عن محاولات إغتيال تستهدف الرئيس فؤاد السنيورة والنائب سامي الجميل، ومن ثم محاولة إغتيال النائب بطرس حرب، وبعدها إحباط مخطط لإغتيال اللواءين أشرف ريفي ووسام الحسن، قبل أن تتمكن يد الإجرام من النيل من الأخير في التاسع من تشرين الأول عام 2012 في جريمة بشعة وحاقدة وبغيضة، حضّر لها الجناة طويلاً ونفذوها بإتقان وحماية قل نظيرهما.. وهذه الوقائع لا بل الحقائق تكفي لتحويل صحناوي من مقصّر الى متواطئ، بغض النظر عمن يقف خلف قراراته ومن كان يحرضه على ذلك وإخفاء ما يمكن إخفاؤه.
مشكلة صحناوي كما فريقه، أنه يرد على الحقائق بمزيد من إثارة الغبار حول القضية المطروحة، وهو بدل أن يناقش في الوقائع يلجأ الى الشتائم، ويمعن في التضليل، وإذا كانت جريمة تفجير الرويس المرفوضة والمدانة، دفعته الى إطلاق سراح الداتا لأن الجريمة تطال هذه المرة حلفاءه وليس خصومه (وهذا مطلوب ايضاً)، فإن ذلك لا يمكن أن يخفي حقيقة أن الوزير وفريقه وحلفه السياسي يكيلون بمكيالين، على أساس أن الشهداء الذين يسقطون هنا (وكلهم لبنانيون وشهداء الوطن) هم أبناء ست، أما الشهداء من الفريق الآخر، منهم أبناء جارية، هو أمر بالغ الخطورة، ويستدعي دق ناقوس الخطر، ووضع الوزير ومَن يقف وراءه أمام مسؤولياتهم.. فالأمن واحد لا يتجزأ، ولا مبالغة في القول، إنه لو كان ثمة تعاون لكشف الجناة الذين ارتكبوا الاغتيالات ومحاولات الإغتيال المشار اليها، لما وصل البلد الى هذا الدرك من الإنكشاف الأمني المخيف.